المشاركات

عرض المشاركات من مايو, 2023

الأيام التاسع والثلاثون والأربعون والحادي والأربعون بعد المائة |

للكلام أحيان وهذا شأن الإنسان، يفتر وحي شيطانه، وتتعطل قرائح أعوانه، ممن يُرجع إلى مثلهم في الملمات، وتُنزل بساحتهم الحاجات والمهمات؛ وحتى بحار بطون كتب الفنون الزاخرة بأنواع العلوم والفهوم تجف، فلا تكاد تجد فيها قطرة تبل بها ظمأة سن قلمك، وترى طيور المعاني بدأت تهجر سماء فكرك، لتقطع سهول ما وراء بحار العلم وترع المفهومية، لتملأ حواصلها من حبات سنابل حقول الخواطر الأدبية، المسقية بمياهٍ (قريحةٍ) عذبة منحدرة من أعالي جبال البلاغة المصقعية، فإما أن يكون طالع الإنسان سعد فتعود طيور سماء فكره مبكرًا لوفرة السنابل وغنى الحقول، وإما أن يكون النحس لصيقه فتتأخر طيور معانيه عن العودة، وتطول مدة إصابة صاحبها بالعي والفهاهة. آسف لحال الإنسان لا يعي أن شطر نحس طالعه جناية يديه وحصاد أفعاله، إذ فقر الحقول وغناها فرع نزول سقيا غيث سحب المطالعة وإدامة النظر، الصاعد بخارها من بحار بطون كتب الفنون الزاخرة بأنواع العلوم والفهوم، أو فرع تحلية مياه ترع المفهومية -الملحة [بالتخفيف] بمجاورة ذوي النباهة والفصاحة واغتسالهم فيها وملاقة بشرتهم لها- لإجرائها سواقي ري الحقول. وإني كنت وما زلت -أقالني الله من الأم...

اليوم الثامن والثلاثون بعد المائة |

جيش كل جنوده فقدوا أطرافهم، سباق كل جياده نفقت قبل خط النهاية، رؤوس شمعية كل ملامحها ذابت حياءً، وجوه مهرجين ساحت أصباغها من الحرارة، أعين تحدق في أوهامها عبر عدسات أخذتها من إمام الجامع، حقول شاسعة من الأحلام جفت سنابلها، مئات الموتى والمفقودين بسبب سقوط أسقف الطموحات والتوقعات عليهم؛ تعابير أزعم لو أني زدتها دستةً أو دستتين من مثيلاتها لأبهرت متفزلكي هشاشة أسطح مجامع الثقافة الزائفة، ولأنفقوا -وإن قليلًا- وقتهم في حل رموزها، واستخراج كنوزها، ولأفرطوا في إطراء ملامستها لقشور أدمغتهم وشُغُف قلوبهم، وبعد أن فهموا ما خرقوا لها من معانٍ هاموا، ولعلت آهات وتنهدات انتشاء أو طرب أو توجع من ثقل ما ألقي عليهم. لا أدري ما التأثر المناسب لهذه الحالة، أحزن لترديها، أو أفرح لكثرة المشترين للبضاعة؛ سؤال أخلاقي ربما، أو ترفع عما لا يليق، أو كسل عن عمل أي شيء؛ لكني ما زلت أحترم من كان قادرًا على الاثنين، جامعًا بين الشتيتين، يهيج أشجان رعاع الشركاء، ويجاري عدائي مضمار الأدباء، الألفاظ في يده زبد في يد الخباز، والمعاني من قلبه نسيج فاخر الطراز، يثري عقلك، ويغني خزينتك، ويحرك ما سكن من مياه عواطفك، يلع...

الأيام الخامس والثلاثون والسادس والثلاثون والسابع والثلاثون بعد المائة | نصف مقامة

"حدثني المربع بن المثلث، قال: ما من شيء أحب إلي -منذ طفولتي وصباي وحتى الآن- من حكايات أبي -المثلث بن المثنى بديع الزمان- فسح الله له في قبره، مد بصره، بحق الفاتح الخاتم صلى الله عليه وسلم وحق قدره. قلت: إني لسماع شيء منها مشتاق!، قال: إذن ارعني سمعك، واعطني كُلّك، فإني أحدثك بأمر لم ولن تسمع مثله، لا بعده ولا قبله، عجب عجاب، يحير الألباب، ويشيب الشباب، فيه يواقيت وجواهر ودرر، وأقوال وأشعار وسمر، ولو كتب بالإبر، على آماق البصر، لكان عبرة لمن اعتبر. قلت: شوقتني أكثر، وإن كان كما قلت غسلت رجليك بالمسك والعنبر!، قال: حدثني أبي المثلث بن المثنى، قال: كنت في ميعة الشباب، دائم السفر والاغتراب، لا أقيم في بلد أكثر من يوم أو اثنين، وإن تعطلت حرصت ألا أجاوز عشْرَيْن، حتى ساقني القضاء المكنى أبو العجب، إلى مهد الذهب، عند قفولي من مدينة الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم، إلى عروس البحر الأحمر ذات الـ...* الأضخم، والـ...* الأشأم.  ولأشياء لا تُروى إلا مشافهةً فقدت راحلتي في واد سحيق كئيب، لا أنيس فيه ولا حبيب، لشدة سكونه تسمع فيه الدبيب، ناشف القيعان، أشجاره عارية الأغصان، تحسب واحدها عثمان، ف...

الأيام الثاني والثلاثون والثالث والثلاثون والرابع والثلاثون بعد المائة | هل وجدت عزاءك؟

عادة متقطعة أمارسها عند فراغ يدي وعقلي من أي شيء، تأمل وجوه الناس وتعابيرهم، وتخمين حالتهم الجوّانيّة إن لم تكن بادية على قسماتهم -وهو الأصل- وأي المشاعر هو الحاضر في تلك اللحظة؛ خاصة في الاجتماعات الفارغة، أو المعلوم محتواها مسبقًا، أو التي يتبجح فيها المهيمن على الاجتماع، أو التي تقتل الإنسان مللًا، ليس فيها ما يهم، فأحاول أن أجد فيها ما يهمهم. إدمان يسلي المرء، يجد في وجوه الناس عزاءه، بعد ظنه أن ليس على البسيطة مهموم سواه، إذ به يجد أن براثن الهم لم يسلم منها أحد، ويرى فيها ما يخفف وطأة همه عليه، فمن رأى مصيبة غيره هانت عليه مصيبته. صحيح أنه قد لا يعلم يقينًا نوع المصيبة وحجمها، لكنه يقدّر بناءً على ما يراه في قسماتهم، فراغ العين والتماعها، السواد تحتها، تهدل الملامح، لغة الجسد، المعجم اللغوي، مستوى الصوت إن أراد أن يغرق في تأملاته وقراءاته. وإن كانت أصابع خياله ماهرة نشيطة، فستنسج له قصصًا وحكايات، تتعدد فيها الأحداث والشخصيات، أسماء وعلاقات، صداقات وقرابات، رواية أو مسرحية أو فيلم قصير، أشكال وألوان، ولكل بضاعة مشترٍ. وهو بعد رحلته فيها وعيشه تفاصيلها إما أن يحبسها ويجعل لها وجود...

اليوم الحادي والثلاثون بعد المائة | لا رمزية

أقف أمامكم كاتبًا، وخطيبًا، ومتكلمًا، ومتحدثًا رسميًا باسم جمهورية نفسي، لأقول لكم إني لم أجد حتى الآن حلًا سلميًا لإنهاء صراعات النفوس والأنوات في دواخل البشر، وأولهم نفسي، وهذا أمر خطير جدًا، ومهدد للسلام بين النفوس؛ وأنا من منبري هذا أعرب عن قلقي تجاه الأوضاع الراهنة، وأدعو الجميع للمساهمة بما استطاعوا في إيجاد الحل السلمي لإنهاء الأزمة بين النفوس والأنوات. مقدمة أردت إثباتها هنا، لا علاقة لها بما سأكتبه بعد. أحب الكتابة، وأحب الشاي، رافقاني مدة طويلة جدًا، ما زالا، ولا زالا، ولأن حكمة القضاء والقدر لا تدرك غالبًا عملت في قطاع الكتابة، فإذا حبيبي صار ثقيلًا عليَّ؛ ولحكمة أخرى تخفى على البشر كتبت في عملي عن الشاي كثيرًا، فإذا حبيبي الآخر صار ثقيلًا علي. بلاء أو امتحان أو سخرية أو مهزلة أو مأساة أو ملهاة أو أسطورة أو أطروفة أو أقصوصة، مهما غيرت اسمها فهي مضحكة، وتدعوني دائمًا للتأمل. تعامل يختلف باختلاف المناظير، اعتبارات تتبدل بتبدل المراتب، انفعالات خاصة لكل ناحية، لكن الإشكال والإثقال واحد، غالبًا ما تنتهي الطاقة قبل أن أستطيع البدء في ما يخصني، فأضطر لإرجائه للغد، وفي الغد تنتهي م...

اليوم الثلاثون بعد المائة |

الحياة لم تقصر معنا في تعليمنا، فعِبرها جمة، وحياة فرد واحد منها كافية ليعتبر البشر من النفخ إلى النفخ، بل مجرد تصور مراحلها من عدم، فعجز، فضعف، فقوة تصحبها مصاعب وكفاحات وحروب ونزاعات مسلحة وعجلة تنمية ورأسمالية وطائفية وشعبوية وقومية وضغوط مجتمعية وأحلام مستقبلية، فضعف، فعجز، فعدم، يكفي. مقدمة أردت إثباتها هنا، لا علاقة لها بما سأكتبه بعد. لا أحب الكتابة في المواضيع الشائكة والحساسة، لأني أفترض أن غالب تصديقاتي فيها تخالف تصديقات الناس، وتجر الكلام الزائد عن خلافات ستبقى مدة طويلة، ولن يكون حلها بعبثنا هنا وهنا، وقتل وقتنا في محاولة التملص من محاولة إقناع جبرية، وقتنا يضيق عن هذا، فالعمر أصلًا قصير، وجله ذاهب في أمور لا نتركها، ولا يسلم لنا منه إلا ثلثه، والثلث كثير. وهذا يمنعني من الكتابة في حقول كثيرة، إذ كل حقل للناس فيه مواضيع لا ينبغي الكلام فيها، وإن تكلمت فليس لك الاختلاف فيه؛ فتراني لا أكتب إلا تأملات لحظية، "من على وش الصندوق"، وهذا الذي أقوله عذر أتملص به من اعترافي بكسلي عن الكتابة (العميقة) إن صح التعبير. المشكلة أن بعض من يرى ما هنا يظنه قعر البئر، أو أحشاء الب...

اليومان الثامن والعشرون والتاسع والعشرون بعد المائة | في ضوء ذكريات من منزل الأموات

ليس لدي الكثير من الوقت الآن لأكتب، فأنا أكتب على عجل لأني نسيتُ أمرًا ما، وآن أوان عقوبة النسيان، والعجلة بالضرورة مورثة للتشتت والبعثرة -والطمع أحيانًا- حسًا ومعنىً إن لم يكن المرء حاكمًا على نفسه، ماسكًا لجامها، قادرًا على كفها عن غيها؛ لكني وأنا أكتب الآن -بعد أربعةٍ وعشرين ساعة من كتابتي للسطور الأولى- لست متعجلًا، فسأوقف الكلام عن العجلة. إلى عهد قريب كنت متى قلبت نظرك في الأمم والأقوام، وجدت -على الأقل- طائفة من كل أمة لها عرف يخضع له الجميع، وأخلاقيات يلتزمها الجميع بلا استثناء، عقوبات تقع على كل من عصى كذلك بلا استثناء، واجبات وحقوق، مأمور به ومنهي عنه؛ وإن تأملت في هذا الخضوع والالتزام والاحترام، غالبًا ما ستجد أصله وبذرته اعتناق أو احترام مسبق لديانة ما. حتى أحقر المجتمعات وأحطها، طول عامهم يرتعون في الفسق والرذيلة والخطيئة والإجرام والفساد، متى صادفوا زمنًا محترمًا أو عيد فرح أو ذكرى حزن، كفوا عما هم فيه، وصبروا حتى تنقضي ليعودوا إلى ما هم فيه. تمضي الليالي ولا يدرون عدتها          ما لم تكن من ليالي الأشهر الحرمِ  وخاصة في الأعياد تجد بعض المجت...

اليومان السادس والعشرون والسابع والعشرون بعد المائة |

كثيرة تشبيهات الحياة، نهر وقطار ورحلة وطريق وشجرة وظل وبيت وباب ونوم وحلم والكثير مما لا أحصيه، ربما اختلفت باختلاف مناظير قائليها وتجاربهم في حيواتهم، لكن الأكيد أنها كثيرة لعظيم أمرها وخطورة شأنها، فهذا أشبه بعادة العرب فيما يعظمون من تكثير أسمائه وأوصافه. قد لا تكون عظيمة الأمر خطيرة الشأن لذاتها، بل لغيرها، البحر الذي يصب فيه النهر أخيرًا، المحطة الأخيرة للقطار، الأشياء الكثيرة التي تتلو الأشياء الكثيرة التي لا أحصيها؛ تلك النهاية التي يتطلع الكل إليها، رغبة أو رهبة، يحتفلون بكل خطوة تقربهم إلى النهاية. والنهايات -كما لا يخفى عليكم- إما مبهجة أو حزينة أو مفتوحة الاحتمالات، مشرقة أو مظلمة، سعادة أو شقاوة، نعيم أو جحيم، ثواب أو عقاب، شكر أو حسرة، فاختر لنفسك نهاية حياتك، فعنوان الفلم لم يكن بيدك، لكن لعلك تجد مدخلًا لعلاج السيناريو والحوار وبعض القصة لتتماشى مع نهايتك المختارة، وحتى هذا لا أظنه يسلم لك، لا تشاؤمًا ولكن وصفًا لواقع محتمل. في النهاية ستجني زرع يديك، فتخير بذورك، وتربتك، وتعاهد غرسك بالسقي والإمداد بالغذاء، والفحص عن الآفات والتخلص منها، ليتم نتاجك، ويطيب ثمرك، وتحمد عق...

اليوم الخامس والعشرون بعد المائة | شكر وتقدير | معجزة

"منذ أول مرة أمسكت فيها القلمَ لأكتب نصًا لمادة التعبير والإنشاء للمراحل الابتدائية، أحببت الكتابة، ولم "أتب عن خطيئتها" حتى اللحظة. صحيح أني أنقطع عنها في كل مرحلة من مراحل ارتباطي بها، فلم أكتب اليوميات -مثلًا- في المراهقة، لكني كتبت عن أيام منها؛ وليس لنا سقف واحد نبيت تحته، يجمع شملنا بعد فراقنا. حتى في أكثر مراحلنا اشتعالًا وقربًا، كنا نمر بمراحل فتور تطول، ينحل الرباط الذي بيننا، ونعود غرباء. لكن الأقدار -حتى في أشد الأيام حساسية وخطرًا- كانت تجمعنا على غير ميعاد، لتعود أيامنا إلى ما كانت. لا أحب أن أذكر تفاصيل ماجرياتي مع الكتابة، لكني اليوم -واليوم هو الخامس والستون بعد الثلاثمائة- أراني ملزم بذكر شيء منها، خصوصًا ما يتعلق بهيولى التعبير، وأنموذج الإنشاء، أستاذ أساتذة الكتابة، المولى عبد الله بن عمر حفظه الله من كل شر، وأدام علينا جواهره والدرر، فلولاه ما كانت هذه المدونة، ولولاه لم ألتزم بالكتابة والتدوين". حلم رأيته، نبوءة تلقيتها، وهم تشكل على عجل، إشارة بعيدة، لمعة تشق ظلمة السماء في ليلة كئيبة، معجزةٌ، إذ خرقت عادتي من ضياع قلمي أيام العطل، "مو فقط...

اليومان الثالث والعشرون والرابع والعشرون بعد المائة |

الحبسة عن الكتابة مرض خطير يصيب كل من أمسك قلمًا، مرة في العمر على الأقل، وقد تستمر أعراضه لأشهر، يتوقف العقل عن ربط أي شيء بأي شيء بصورة ترضي ذائقة الكاتب في حالة الإحباط واليأس من إنتاج شيء مرضٍ، وينعقل لسانه فلا يسطيع أن يفكر بصوت عالٍ ليجبر نفسه على سماع نفسه، فأفكاره تسارع لتضيق الخناق عليه، ويفقد أخيرًا السيطرة على على أصابعه، فتراها لا تتوقف عن الحركة والنقر كعقرب في النزع الأخير، تتحرك أرجله ومقارضه وذيله في كل مكان، محاولةً التشبث بخيط الحياة الأخير من نسيج عمره، فلا تطاوعه في وضع حرف على حرف لبناء كلام يعقل. أشجار غابتي بدأ خريفها، اصفرت واحمرت ولبست معاطف بألوان شتى من تدرجات الشمس والدم؛ أما نجوم السماء فاحتفالاتها الراقصة لا تنتهي، وما زالت تحدثني كل يوم بأمور عجيبة وحكايا غريبة، قبس من حكمة الأوائل، وأخبار أحوال الأواخر؛ المرافئ بعيدة، والأسطول قيد الصيانة، شباك الصيادين زادت خروقها ولا تمسك إلا الماء، حتى الحيتان أعلنت إضرابها. مغرق في الرمز مغرق في العمق، أو مغرق في الرمز متعمق في السطحية، أو مغرق في الرمز مزاول للعبث، أو مغرق في الرمز باحث عن الشكس. لاحظت الآن نمطًا أر...

اليومان الواحد والعشرون والثاني والعشرون بعد المائة |

عطلوني عن الكتابة عطل الله حظوظهم، أكتب غاضبًا في آخر اليوم على خلاف عادتي من افتتاح يوم العمل بالكتابة * ، أنانية وأهواء اتبعوها عمت ضمائرهم فأعادوا لي ذكريات مذابح الأقلام، وما قاساه ضحاياها من منع وتعطيل وإيقاف للمراكب السائرة في بحار العلم وترع المفهومية. ما علينا. "تمدد هذا السرادق جدًا، ...، ستار من الكعبة انشد كالدف حول الخريطة"؛ أقصوصة وأسطورة وأكذوبة، أوجه لشيء واحد، لا أدي ما هو، لكن الأكيد أنه ليس العملة، ثلاثية تخلق واقعًا وتعدّل ماضيًا وتمني بالمستقبل، لا ينجو من شرَكها أحد، قائلًا أو سامعًا، عاصيًا أو طائعًا، كبير، صغير، اذكر ماشئت، فالأوصاف لا تنتهي، وتيقن أنه ضحية لها لا محالة. تتعانق أحبالها، تتأرجح في نظام مدهش، ها هي انعقدت جديلة سوداء، ليل عاشق، نفق لا نور في آخره، مقبرة فرعونية لم تُكتشف، كحل حسناء. نعيش في ظلمتها مستأنسين، ينيرها تصديقنا وصدقنا، يصير شمسًا مرة، وأخرى شمعة، اختر ما تشاء، فأنت المعيار، وتيقن أن نورك إن لم تحفظه انطفأ. الهواء الذي يطفئ الشمعة، هو هو الذي يذكي الشعلة، فإن خفت على نورك فلا تعرضه للهواء، وواظب على إمداده بالزيت، وإلا فاعلم أن ...

الأيام الثامن عشر والتاسع عشر والعشرون بعد المائة | أين تذهب الأقلام؟

 ظاهرة غريبة بدأت في التفشي، الكثير من مستخدمي الأقلام ومحبيها ومناصريها بدأوا يلاحظون اختفاء أقلامهم في أيام العطلات والإجازات، وفيما هم يعبرون عن استيائهم -وقبل أن نستعرض مقالتهم- نرى أحزاب المعارضة تحتفل بهذه الحادثة، وتعرب عن شكرها لسببها أيًا يكن. عاجل: جموع المستخدمين والمناصرين تتوافد للتجمهر في شارع قادة الفكر. عاجل: المعارضة: لا بد من تنصيب من يتبنى هذه الظاهرة رئيسًا على الكل، وتجمهرات "أهل الحرف" زوبعة في فنجان. اختلفت أقوالهم في تحديد أيام الاختفاء، لكنهم اتفقوا على أنها لم تكن أيام عمل؛ هؤلاء في عطلة نهاية الأسبوع، وأولئك في إجازات الأعياد، آخرون يفقدونها في الأيام الوطنية. كان أقل المتجمهرين عددًا وأقواهم شكيمة وأقلهم كلامًا الناجون من مذبحة الأقلام الثالثة، لم تطالهم الظاهرة الغريبة، لا لحصانتهم، بل لخسارتهم أقلامهم في المذبحة الأخيرة؛ لكنهم أتوا متضامنين مع حاملي الأقلام ليحفظوها للأجيال القادمة. تطفلتُ على قادة الفكر، ليس العنف والهمجية ما يظهر منهم، بل ولا حتى الغضب، أفضل ما يصف ما تشاهده في وجوههم هو الخوف والقلق، ليسوا سواسية في تجلي هذا عليهم، فالتفاوت بي...

اليومان السادس والسابع عشر بعد المائة |

لا تنساب الكلمات من طرف قلمي، مع أني أغرقته في الحبر، وتركته في قاعه أيامًا كثيرة، فتراني أعصر طرفه كلما أردت الكتابة. مغالبة، ومشاجرة، ومصارعة، ومعاركة، عندما ندرك أنه لا مكان للأيد والأذرع، نتخذ مجلسًا لنا على طاولة الحوار العقلاني، وما إن نبدأ كلامنا لا يلبث حتى يتصعد شيئًا فشيئًا إلى مشادة كلامية، ما تلبث أن تعود مغالبة، ومشاجرة، ومصارعة، ومعاركة. لا أتمالك نفسي في وسط هذه المعمعة، فآخذ القلم مسرعًا، ضاربًا بكل ما حصل عرض الحائط، يتدافعون ليأخذوه مني، شد وجذب، وصراخ وعويل، لا تفعل، ستندم، إياك والإفصاح، أفلح من كتم، سلم وغنم من لم يتكلم، لا يُحسب عليك شيء، ولا تحسب على شيء، لا تقيد نفسك، ولا تدخلها تحت مجهر أو مكبر، ولا تعرض نفسك لسهام النقد، اسكت تسلم. عبثًا يحاولون، مجهودهم يضيع سدى في مرات كثيرة، لكني عازم على تضييع مجهودهم دائمًا، فالفرص إن لم تأت علينا صنعها، أو على الأقل البحث عنها. لن أعصر قلمي أكثر كي لا يتلف. فيصل، غلبهم هذه المرة 14 شوال 1444هـ 4 مايو 2023م

اليوم الخامس عشر بعد المائة | مكتب للبيع

ثرثرة لا تنتهي، تأكل أحاديث العمل الجانبية آذاني كل يوم، كثير منها أكون متطوعًا قسرًا لسماعها، إذ مكتبي موجود على مفترق طرق مهم جدًا، مكان استراتيجي على شارعين. محاط بمكاتب تكثر حولها التجمعات، ومع غياب الفواصل والعوازل، تختلط الأحاديث والأصوات، وتمتزج معًا في نشاز مبهر يدعو للتأمل في تعاسة حياة الموظف المغلوب على أمره. إلى جانب موقعه الاستراتيجي، فهو معلم مهم، ومزار يجذب الآلاف، ودائرة حكومية، ومضمار سباق، ومسبح أولمبي، ومطعم، ودار رعاية، ومركز إصلاح، وعيادة نفسية، وصيدلية، وملجأ حيوانات، ومأوى مشردين، وحانة، وصالة قمار، وتكية، ومسجد، ودار إفتاء، ومركز تجاري، ومساحة احتفال، وغرفة اجتماعات، ومركز عمليات قيادية، وديوان ملكي، وإيوان كسروي، ومقبرة شهداء، وطريق غرباء، الحاصل أنه غاص بالناس دائما، لا يكاد يخلو من أحد جاء لغرض أو عبثًا. ولأن من ربياني أحسنا للناس بجنايتهما عليّ، إذ صيراني لين العريكة، حليمًا، طويل البال، مخفوض الجناح، فلا أقدر على فض التجمعات، وإن فعلت فيكون ذلك على خجل، إلا ما حصل مرات قليلة من استخدامي للقنابل الصوتية والغاز المسيل للدموع بالتعاون مع قوات الطوارئ والتدخل ا...

اليوم الرابع عشر بعد المائة | نصف اسمي

عنوان مبهم آخر يعلو هذه الكلمات، يحلو لي في كل مرة أسمي فيها أشيائي أن أختار لها الرمزَ والإبهام، غموض لا طائل تحته، زعموا، بل هو نتاج صراع شديد بين الكتمان والإفشاء. لا يسهل علي التفكير بصوت عالٍ مع جماعة كبيرة، وخاصة إن كان الأمر مني إليَّ. مشهد ترقب طويل في مسرحية لم يحضرها أحد، لا أعين تترقب، ولا أنفاس تنحبس، ولا أفواه تهمهم، ولا أعصاب يجلس عليها أحد، ولا ركب تهتز متوترة، مثل نفق بطول سور الصين العظيم، لا تسمع فيه شيئًآ، خالٍ، خاوٍ، ينتظر ما يملؤه. فجأة تبدأ بعض الضجة يتردد صداها خارج قاعة العرض، الباب مشرع على مصراعيه وأفواج الجمهور تدخل إلى القاعة، كل واحد يعرف مقعده، جلسوا، وبحركة واحدة ترقبوا جميعًا؛ تدفقت المياه في النفق، وشيئًا فشيئًا صارت سيلًا هادرًا. سردية عبثية، فيها شوب من الحقيقة، شعرة بيضاء في ثور أسود، لا تدركها العين، لكن يعلم الله أنها هناك مستقرة. آخر الأنباء: أمطار الربيع أزهرت صدري؛ بعد جدب طويل، دبت الحياة فيه، أخرجت الأشجار ثمارها، والأنهار علت أصواتها. أوضح من أختها؟ فيصل، قلبه أزهر 11 شوال 1444هـ 1 مايو 2023م