الأيام الخامس والثلاثون والسادس والثلاثون والسابع والثلاثون بعد المائة | نصف مقامة

"حدثني المربع بن المثلث، قال: ما من شيء أحب إلي -منذ طفولتي وصباي وحتى الآن- من حكايات أبي -المثلث بن المثنى بديع الزمان- فسح الله له في قبره، مد بصره، بحق الفاتح الخاتم صلى الله عليه وسلم وحق قدره.

قلت: إني لسماع شيء منها مشتاق!، قال: إذن ارعني سمعك، واعطني كُلّك، فإني أحدثك بأمر لم ولن تسمع مثله، لا بعده ولا قبله، عجب عجاب، يحير الألباب، ويشيب الشباب، فيه يواقيت وجواهر ودرر، وأقوال وأشعار وسمر، ولو كتب بالإبر، على آماق البصر، لكان عبرة لمن اعتبر.

قلت: شوقتني أكثر، وإن كان كما قلت غسلت رجليك بالمسك والعنبر!، قال: حدثني أبي المثلث بن المثنى، قال: كنت في ميعة الشباب، دائم السفر والاغتراب، لا أقيم في بلد أكثر من يوم أو اثنين، وإن تعطلت حرصت ألا أجاوز عشْرَيْن، حتى ساقني القضاء المكنى أبو العجب، إلى مهد الذهب، عند قفولي من مدينة الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم، إلى عروس البحر الأحمر ذات الـ...* الأضخم، والـ...* الأشأم. 

ولأشياء لا تُروى إلا مشافهةً فقدت راحلتي في واد سحيق كئيب، لا أنيس فيه ولا حبيب، لشدة سكونه تسمع فيه الدبيب، ناشف القيعان، أشجاره عارية الأغصان، تحسب واحدها عثمان، فلم أبرح مكاني، وبقيت لا أدري ما أصنع، فلا مفك عندي ولا مبضع، والشمس لا تفتأ تصهر صلعتي، وتلهب الأرض من تحتي، فلما يئست من النجاة، إذ نفدت كل المياه، أويت إلى ظل واحدة من تلك الأشجار، أنتظر موعد الاحتضار.

وبينا أنا كذلك، فجأتني حركة قوية بجانبي، ففتحت عيني لأرى أجمل بنت وقع عليها بصر، واحترت في أمرها أملاك هي أم بشر؟ فقلت لها بأوهن صوت: هل متُ؟، فضحكتْ، وخيل إلي أنها تغني من جمال ما سمعتُ. قالت: ما انفك عنك قيد الحياة بعد، وما زلت في...
وما أكملت عبارتها حتى غبت عن حسي، وفقدت نفسي، وما هي إلا هنيهة حتى رأيتني وإياها على رابية، متخذين مجلسًا تحت شجرة بلوط عالية، والسماء ليست كالسماء، ورأسي ليست صلعاء، والنجوم ترقص حولنا، وكل ما لذ وطاب عندنا،
فكان ما كان مما لست أذكره
فظن خيرًا ولا تسأل عن الخبر

وبتنا على حال السرور، حتى أتى البكور، فإذا على رؤوسنا ثلاثة فرسان، ظاهري البأس شاهري السنان، فقامت -ولما أعرف اسمها- تحدثهم بلسان غريب، فنزلوا عن خيولهم وخروا ساجدين، ثم كلمتهم ثانية، فقاموا ومضوا لشأنهم. فسألتها عن الخبر، فضحكت، وغبت عن حسي".

انقطع عمران عن القراءة، لأن سمير دلف إلى قاعة الكتب محدثًا ضجة أفقدته تركيزه، فصرخ عليه من مكانه: سمير! أبغل أنت أم إنسان؟ ما هذا الإزعاج؟ انفجر سمير مقهقهًا وهو يجر كرسيًا ويقترب من موضع عمران، وعمران يلتهمه بعينين تشتعل غضبًا.

لا تمتعض هكذا يا ابن أبي، جئت لك باسم من تبحث عنها، وما قالت، ولا حاجة لك في التعفن هنا بين أكوام الكتب والمخطوطات. هذا ما قاله سمير لعمران بلهجة متبجحة، وهو يقهقه.

انطفأ غضب عمران، وأطرق صامتًا، ثم قال بصوت متهدج: قل ما لديك.

ابتسم سمير، أخذ نفسًا عميقًا، وقال: بيلسان بنت المستوفي، خليفة السري بن الباهر، ملك ملوك البحر الزاخر، تقسم عليكم بما كان في العاشر، من العصر الغابر، وبما حوت مقابر المعابر إلا...، ثم قل ما شئت بعدها تخدمك لتحقيقه أمم الجن كافة؛ حتى بيلسان لا تقدر أن تتمرد على القسم أو تخالفه، فهذا القسم أصله ميثاق وادي النطرون، بين الحكماء السبعة بعد انقضاء حرب القرون الستة، وإن لم تصدقني فاستحضر أبراهام بن أباسيوس يريك ما أراني، ويخبرك بما أخبرني، بعد أن سلطت عليه حرز المواضي، وطلاسم ابن فرج والمدائحي؛ كتبتها بالزعفران على رق قديم...

أذنا عمران لا تترجم الكلمات التي تصل إليها، شيئًا فشيئًا تختلط الأصوات نتيجة الغرق في بحر الفكرة، ترى هل للأمر نهاية؟ دموع الفرج أحر من دموع الفرح، لكن ما لم يجرب الحل لا يحل لأحد أن يطمئن يعتقد انجلاء ما هو فيه. ما قيمة من سعادتي هذه إن بقيت تتأرجح على شفا جرف هارٍ؟ كلا، لابد أن أكون حازمًا، الأمر جارٍ في دمي، فهو يخصني، لم التردد؟

بعد صمت طويل، وقف متثاقلًا، وتنحنح قائلًا: هيا، علينا الذهاب إلى مهد الذهب لإنهاء لعنة آل البديعي.

* فراغ في الأصل.

فيصل، حدثه أحد الإخوة

4 ذو القعدة 1444هـ

24 مايو 2023م

تعليقات

  1. هنا قلمٌ نادر الوجود

    ردحذف
  2. حبكة جميلة ولغةٌ عالية سلم قلمك ✨

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بارق التجليات في ذكر شيء من نوادر المخطوطات

اليوم الأخير

أشتات عن المسلسَلات