اليوم الثامن والثلاثون بعد المائة |

جيش كل جنوده فقدوا أطرافهم، سباق كل جياده نفقت قبل خط النهاية، رؤوس شمعية كل ملامحها ذابت حياءً، وجوه مهرجين ساحت أصباغها من الحرارة، أعين تحدق في أوهامها عبر عدسات أخذتها من إمام الجامع، حقول شاسعة من الأحلام جفت سنابلها، مئات الموتى والمفقودين بسبب سقوط أسقف الطموحات والتوقعات عليهم؛ تعابير أزعم لو أني زدتها دستةً أو دستتين من مثيلاتها لأبهرت متفزلكي هشاشة أسطح مجامع الثقافة الزائفة، ولأنفقوا -وإن قليلًا- وقتهم في حل رموزها، واستخراج كنوزها، ولأفرطوا في إطراء ملامستها لقشور أدمغتهم وشُغُف قلوبهم، وبعد أن فهموا ما خرقوا لها من معانٍ هاموا، ولعلت آهات وتنهدات انتشاء أو طرب أو توجع من ثقل ما ألقي عليهم.

لا أدري ما التأثر المناسب لهذه الحالة، أحزن لترديها، أو أفرح لكثرة المشترين للبضاعة؛ سؤال أخلاقي ربما، أو ترفع عما لا يليق، أو كسل عن عمل أي شيء؛ لكني ما زلت أحترم من كان قادرًا على الاثنين، جامعًا بين الشتيتين، يهيج أشجان رعاع الشركاء، ويجاري عدائي مضمار الأدباء، الألفاظ في يده زبد في يد الخباز، والمعاني من قلبه نسيج فاخر الطراز، يثري عقلك، ويغني خزينتك، ويحرك ما سكن من مياه عواطفك، يلعب بالمتلقي وانفعالاته كالنسيم بالأغصان، يرفعه حينًا، ويخفضه آخر، يضحكه بأطروفة، ويبكيه بمأساة، ويلقنه حكمة، ويفتح نوافذ بصيرته ليصب فيها ما شاء.

فنون شتى، واحتمالات لا تنتهي، ركب وبدل، واصنع وعدل، وانظر وتأمل، وأعد ما فعلت ولا تمل أبدًا.

فيصل، يختصر ولا يسهب

5 ذو القعدة 1444هـ

25 مايو 2023م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بارق التجليات في ذكر شيء من نوادر المخطوطات

اليوم الأخير

أشتات عن المسلسَلات