الأيام التاسع والثلاثون والأربعون والحادي والأربعون بعد المائة |
للكلام أحيان وهذا شأن الإنسان، يفتر وحي شيطانه، وتتعطل قرائح أعوانه، ممن يُرجع إلى مثلهم في الملمات، وتُنزل بساحتهم الحاجات والمهمات؛ وحتى بحار بطون كتب الفنون الزاخرة بأنواع العلوم والفهوم تجف، فلا تكاد تجد فيها قطرة تبل بها ظمأة سن قلمك، وترى طيور المعاني بدأت تهجر سماء فكرك، لتقطع سهول ما وراء بحار العلم وترع المفهومية، لتملأ حواصلها من حبات سنابل حقول الخواطر الأدبية، المسقية بمياهٍ (قريحةٍ) عذبة منحدرة من أعالي جبال البلاغة المصقعية، فإما أن يكون طالع الإنسان سعد فتعود طيور سماء فكره مبكرًا لوفرة السنابل وغنى الحقول، وإما أن يكون النحس لصيقه فتتأخر طيور معانيه عن العودة، وتطول مدة إصابة صاحبها بالعي والفهاهة.
آسف لحال الإنسان لا يعي أن شطر نحس طالعه جناية يديه وحصاد أفعاله، إذ فقر الحقول وغناها فرع نزول سقيا غيث سحب المطالعة وإدامة النظر، الصاعد بخارها من بحار بطون كتب الفنون الزاخرة بأنواع العلوم والفهوم، أو فرع تحلية مياه ترع المفهومية -الملحة [بالتخفيف] بمجاورة ذوي النباهة والفصاحة واغتسالهم فيها وملاقة بشرتهم لها- لإجرائها سواقي ري الحقول.
وإني كنت وما زلت -أقالني الله من الأمر- أعاني مما قلت المر، وأنا الآن مصاب بهذا الداء، وعز وجود الدواء، مع تكاثر وازدياد السنابل في الحقول، إلا أن طيور اليوم صغيرة الحواصل، قليلة العدد، شتاتها سريع، وتخشى أن تضيع، فتراها لا تدخل في أعماق الحقول، بل تكتفي بالتقاط ما كان بارزًا من أقرب نقطة فيها ما يسد الرمق أو يكاد.
فيصل، ينتظر سرب طيور معاني الغد
8 ذو القعدة 1444هـ
28 مايو 2023م
تعليقات
إرسال تعليق