المشاركات

الأيام من العاشر إلى الثالث عشر بعد المئة |

 محاولة أخرى تقف في الطابور، إما أن تضمها الأقدار للناجحات من أخواتها، أو تهوي بها تعاستها إلى قاع الفشل. انتظام وانفلات أو فوضى، صعود و"نكوس" ، جمع وافتراق، ائتلاف واختلاف، متقابلات شتى، نقائض في مرة، وأضداد في مرات، "جمعية ودايرة، قطر ما بيوقفش"، هي الحياة، شئنا أم أبينا، كل ماضٍ إلى حتفه، طال طريقه أو قصر، سيأتي يوم ينزل فيه من القطار إلى محطته، يزعم بعضهم أنها الأخيرة، لكنها محطة مؤقتة، ترانزيت، لأنه سيركب بعدها قطارات أخرى ليصل إلى وجهته الأخيرة. جميل أن يكون للمرء يقصص يحكيها، مواقف أثرت فيه، أو انفعل لها، إيجابًا أو سلبًا، إمتاعًا أو وعظًا، على سبيل التندر أو الاستدلال؛ أو أن يكون عارفًا بأخبار الماضين، ملمًا بالتواريخ، حافظًا لعيون الأشعار، مستحضرًا لغرائب الآثار، محيطًا بالفنون، بصيرًا بما يريده المستمعون، قادرًا على تلوين الكلام، يصل آخِرَ الأول بأول الآخِر؛ أو أن يكون متلونًا بحسب محيطه، حرباء أو إناء، انظر إليه كما تشاء، لكنه حائز ما لم ولن تحز إن لم تكن مثله على أقل تقدير. ولكن قد يمن الله على بعض الناس بالقصص والمواقف، أو المعرفة والإلمام والإحاطة والح...

الأيام من الثالث والسبعين إلى التاسع بعد المئة |

كيف ستكتب إن لم يكن عندك ما تريد إيصاله؟ معنى أو رسالة، خبر أو سؤال، لا بد لك من شيء تخيط كلماتك لتكون لباسه، وإن كنزت من الألفاظ ووسعت معجمك انتقلت من الخياطة إلى الصياغة، فتسبك الكلمات، وتحسن سبكها، وتنظم العقود، وتزين النحور. ولأنني لم أكتب شيئًا أكد ذهني فيه فكرةً وكتابةً وتحريرًا منذ مدة طويلة، ولأن أيامي صارت نسخة واحدة، لا أجد شيئًا أقوله في كتابات الأيام، وصرت أكسل من أن أكتب بجدية وإتقان. الأيام القادمة حبلى بالكثير، أرى من هنا سبعين مفترقًا، وثلاثة أغوال تشتعل أعينهم نارًا، وتقطر أنيابهم سمًا زعافًا، سال لعابهم على صدورهم، وتحفزوا للنيل مني؛ وخمسة صناديق وأحمال تغني وتسمن من جوع، وملكًا يصرخ في جنوده، وقبورًا يسيل منها النور. بسبب تفرق الكتابة على الأيام والأوقات، قد تلاحظ عزيزي القارئ اختلاف اللهجة، ووضوح الفكرة، والانتقال من موضوع لآخر، وكل هذا تأثرًا باختلاف الحالة المزاجية والشعورية وقت الكتابة، فلتعذرني إن شئت أو لا تفعل، فأنا لا أهتم عمومًا، وخصوصًا بشأن الكتابات المتعلقة بالأيام -والتي لا يوجد غيرها حاليًا- لأسباب أشرت إليها متفرقةً، فانظرها إن أردت الزيادة. قد تتقاطع ...

اليوم الثاني والسبعون |

 ها أنذا أبدأ مرة أخرى، منتظمًا كما يبدو، والمظاهر خداعة ولا يغتر بها إلا ما أصون كتابتني عن أن يكون فيها ذكره وأمثاله. لكن الاغترار بها طبيعة النفس البشرية، ولأن سلطان البشر لا ينفذ إلى الباطن، جعلنا الظاهر القشري انعكاس الباطن اللبي، فصار دميم الخلقة دميم الأخلاق ضرورةً، وإن لم نجالسه، والضد بالضد، ولم أذكره لعدم المساس بالناس والإحساس؛ وأنا بكلامي هذا لا أنكر أن للظاهر نوع نفاذ للباطن، أو أن له اعتباره في استكناه الباطن وتقديره. زرقة السماء اليوم باهتة، لكنها أكثر إشراقًا من سماء الأمس، تذكرني بأشخاص يصدق وصفها عليهم. لا يوجد ما أحكيه لكم اليوم، عقلي مشوش شيئًا ما، لكن قريبًا إن شاء الله لنا حديث طويل وحكايات كثيرة. فيصل، يكتب مجاملةً لنفسه 21 شعبان القصيّر 1444هـ 13 مارس 2023م

خارج السياق | على هامش الأيام | الحقيقية

لا أعتقد أن كل العناوين ينبغي أن تكون مفهومة، على الرغم من عملي في مجال أعظم ما يهتم به هو العنوان الرئيس للأشياء، لكني أكتب هنا بعيدًا عن عملي أو هذا رجائي الذي أرجوه مني، لأنني أكثرت اصطحابي له أينما ذهبت، وبدأت أخاف أن يتسلل إلى ما أكتب في غيره. انتظمت جواهر عقد أردته من أيام صباي، جواهر أصلها أحلام نسجتُ خيوطها قماشًا وخيطتها معطفًا يسع الكون بأسره، وشمعتي توقفت عن الذوبان واشتد سطوعها، وعاد ظلي ملتصقا بقدمي بعد أن تاه عني، وعرفتُ ملامحي في المرآة، لكن عيني تتخيل تغيرا في المرآة، وصوتي اختنق بصوته، والعجيب أن السماء لم تمطر الأحجار اليوم. لا أتوقف عن التفكير في أمور جرت بها المقادير وأخرى لما تجري بها، ومستقبل يضيع فيه وقتي بتكهن تفاصيله، فيأتيني يقيني بأن الأمر ليس إليَّ، فأعود لرشدي، لكني لا ألبث أن أعود، أصلها جمعية ودايرة سعادتك. تعددت وجهاتي وتوجهاتي، وضاق وقتي أو ضيقته أنا عنها وعن العمل عليها، وكثرت المزاعم والآراء، واختلف السياسيون واضطربوا، وثار العمال وأضربوا، وتوقفت الساعات في أيدي الناس، ولم يتذكر أحد مواعيد غده ووعود ماضيه. تتكرر القضايا، والبراهين هي هي، لكن المصيبة أ...

من اليوم الماضي إلى اليوم الحادي والسبعين | دارت الأيام وطالت الأيام

 وقعت في فخ البطالة والكسل، لكن ليس عن العمل، فأنا لا أتوقف عنه أبدًا ضرورة عصرنا الجشع، إنما عن الكتابة التي أحبها، ويبدو أن الحب لا يكفي. غامرتُ في الأيام الماضية كثيرًا، وحصلت أمور عظام، واستمتعتُ بكل آن فيها؛ عدت فيها إلى ماضٍ قريب اشتقت إليه، لا أريد الحديث عنه كثيرًا، فله خصوصية ويعاني من حساسية شديدة، لكن أقول كما قال الشاعر: فكان ما كان مما لستُ أذكره * فظُن خيرًا ولا تسأل عن الخبرِ قرأت قدرًا جيدًا كل يوم من الأيام الماضية، ليس أفضل أداء لي، لكن الأفضل مقارنةً بما صار إليه الواقع؛ أنا راضٍ وهذا يكفيني. ما زلتُ أقرأ هذا هو ما يهمني الآن، مع وجود كل المشتتات والملهيات وتهافتها حولي، كلها تغريني بإنفاق ما بقي من سويعات من يومي الضائع أكثره في العمل عليها ومعها، وأنا عبد ضعيف وعندي رغبات وأهواء :) أمقت انقطاعي عن الكتابة المدة الماضية، فعقلي لم يتوقف عن إدخالي في عوالم جديدة مع كل فكرة تطرق رأسي وأنا في المستحم، أو على فراشي، أو في سيارتي قافلًا إلى المنزل. تأملات لا تستحق التأمل، لكنها كانت هناك، أعطت لتلك اللحظات معنى آخر، قيمةً مضافةً، شعورًا لذيذًا، حلوى عيد، وطعام أعراس، ...

اليوم الثاني والخمسون |

  لا أحسن صياغة المقدمات والمطالع، ولا أجيد التعامل مع البدايات غالبًا، أمرٌ ناقشته مع من أثق برأيهم وحكمهم، ولم أخرج من كلامهم معي بعَقّادٍ نافع. لكن إن كنت تعلمت شيئًا من إخفاقاتي في مقدماتي ومطالعي وبداياتي فهو أن ألا أتكلف، في كل شيء، مطلقًا، لا تتكلف. بعيدًا عن هذه المقدمة وقريبًا منها، لم أخطط أن أتحدث عن البدايات والمقدمات، لكن لم أجد مقدمةً أبدأ بها ما أريد قوله إلا أن أقدم عجزي عن إتياني بواحدة. والآن لا أستطيع أن أبدأ في كتابة حديثي، لذا سأسرد الفكرة سردًا بعيدًا عن كل ما يمكن أن يعيق تدفق سيل الكلام، الأمثال والحكم الشعبية تحتل مكانة مهمة في كل ثقافة، وكذلك في قلبي، فهي تجذبني جذبًا عنيفًا إليها، أحب أن أعرفها وأن أحفظها بلغتها ولسانها الأصلي إن استطعت وإلا حفظتُ معناها وصغتُه بعبارة منمقة. إلى جانب حكمة الأجيال المورثة المكنوزة في هذه الحكم، فأكثر ما يثير اهتمامي فيها هي قصصها -إن كان لها واحدة- ومجازاتها وتصويراتها، فهي تأسر لبي، وتأخذ من وقتي الكثير تأملًا فيها وفي تفاصيلها، ومحاولة النسج على منوالها، أو حلها وتركيبها بطرق مختلفة. للأسف لن أجبر نفسي على الإكثار من الك...

الأيام الثامن والأربعون والتاسع والأربعون والخمسون والواحد والخمسون|

لا أذكر متى كانت المرة الأخيرة التي جلستُ فيها حائرًا لا أدري ماذا أكتب، أو كيف أبدأ كتابتي. طال فراقي عن هذه الحالة، لكن شقيقتها لم تتركني لحظة، واليوم التأم شملنا. أتريد معرفة شقيقتها؟ هي ظلي الذي لا يفارقني، لصيقي، إهابي، لجامي؛ تملّكت لساني وصار طوع إرادتها، لا ينطق إلا إذا أرادت، ويمسك إذا أشارت: صعوبة التعبير عما يجول في خاطري. مضحك لقاؤنا هذا بعد طول الغياب، على ما فيه من معاناة، إلا أن في طيّه أمور وأمور، إن ذكرتها قالتْ: انحياز للماضي. أو مصطلحًا يشبهه تحب استخدامه معي ومع حالاتي. لطيفة اختياراتها، تصبغ الأشياء بلون روحها، حتى تلك القاتمة، تصير بكلماتها مشرقةً وضيّة. لا بد أن أقنع بالقليل من كتابتي إن أردتها يومية، أو لابد من الحزم والشدة مع ذاتي الكاتبة لأخرج منها المزيد كل يوم. خياران أحلاهما مر، ومفترق طريقين كلاهما وعر. فهذا المكتوب -على قصره- استغرق أكثر الأيام المعدودة، ذهابًا وإيابًا، إعادةً وإنشاءً.  فيصل، يعلم أن القناعة كنز لا يفنى 29 رجب الأصب 1444هـ 20 فبراير 2023م

الأيام الخامس والسادس والسابع بعد الأربعين | الاعتزال أو المزاحمة

كلنا نشتكي من انتشار مظاهر الفحش والسوء والانحطاط والإسفاف واقعيًا وافتراضيًا، وأظن أننا لا نجادل في تأثير ذلك علينا، وانفعالنا له آنًا، وبه آنات. وهذه طبيعة الإنسان، فهو وعاء فارغ في الأصل، يُملأ بما يرى ويسمع ويشاهد*؛ مدخلات ومخرجات، بما مُلئ ينضح، وبما تلقّن يتفوّه؛ ومن يجادل في هذا لا أضيع وقتي ووقته، فقد رفع عن الإنسان أبرز ما يميزه عن غيره من الحيوانات. حصل نتيجة لهذا التفشي عودة الخزرج خزرجًا والأوس أوسًا بعد أن كانوا أنصارًا، انشق صف معارضي الإسفاف، فمن معتزل للفتنة كاسر لسيفه مختبئ في كهف يحبس نفسه في ماضٍ لعله به ينجو من براثن الواقع، وآخر ارتدى ملابس أبناء عصره، وماشى ظاهرهم، وباطنه عامر بأمور وأمور، وآخرين كل منهم سائر في طريق اختاره لنفسه، أو اختير له، علم من علم، وجهل من جهل. لكن غير المعتزلين وأصحاب الكهوف والمحبوسين احتاروا في أمرهم، وأعجزهم ضياع قرارهم، فبعد أن اختاروا قبول الواقع وانحطاطه، فاجأتهم مناظرٌ وأحوال كادت أن تطير عقولهم لها، أما الأخبار التي كانت تصلهم عما غاب عن أبصارهم فهي شيبُ الولدان وذهولُ المرضعات. طال الخلاف والجدل، وزادت الفرق والجماعات، وتبنى من تب...

اليوم الرابع والأربعون | اليوميات لا تحتاج إلى عناوين

  لأنك رأيت -عزيزي القارئ- عنوان التدوينة، أريد أن أخبرك بشيء، احترت حقيقةً في ماهية ما أكتبه هنا تحت الأيام المعدودة، فافترضتها يوميات، لأنها أقرب ما يكون إليها، إلا أن اليوميات مبناها -غالبًا- على الأحداث الحاصلة خارج الإنسان، فهو يصف يومه، وما قابله فيه، والبعض قد يزيد ما شعر به تجاه ما حصل خلال اليوم. أما ما أفعله أنا فهو تصوير وإخبار عما يجري في داخلي من أحداث يومية، وأفكار سبهللية، ورغبات أشعبية، وحكم علوية، وتأملات فزلوكية، وأشياء كثيرة لا أستطيع إيجاد وصف لها يناسبها. لكن ابتداءً من التدوينة القادمة لن أشترط وسم التدوينات بأسماء زائدة على تعدادها، إلا لمناسبة أو أخرى، فالأمر راجع إلي تخييرًا. ليس كل ما يعلم يقال، وكذلك ما نشعر به، إلا أن الله أراد أن يكون ناس لا يكبحون جماح كلامهم، ولا يثنون عنان أقلامهم، غسيلهم منشور في كل مكان، حتى صاروا حديث كل لسان، فاللهم لا تجعلنا منهم، ولا تجمعنا بهم، وباعد بيننا وبينهم. فاحذر منهم قارئي الكريم، فالأمر  جلل والخطب عظيم، لأن القرين يقتدي بقرينه، وأخلاق الجليس تسري لجليسه من حيث لا يشعر، فلا يدري إلا وهو نسخة طبق الأصل عنه، اعتاد ...

الأيام الأول والثاني والثالث بعد الأربعين | كلام على كلام

لم أحاول أن أجد وقتًا في أوقات فراغي الكثيرة للكتابة خلال عطلة نهاية الأسبوع، ما زلتُ أسعى للتخلص من هذا الكسل والبدء بالكتابة في هذا الوقت المهم المهمل. كما قلتُ سابقًا لم أكتب  كثيرًا عن تفاصيل الفترة الماضية، رغم ما حملته من أحداث وفعاليات كثيرة، وأستذكر هذا الأمر هنا، لتحيري في الإخبار عن أمر حصل في نهاية الأسبوع المنصرم... توقفت عن الكتابة بعد كلمة المنصرم، أحاديث العمل الجانبية لا تنتهي، لكن هذه المرة كانت تهمني، وليس هذا محل الحديث عن العمل، فلنتوقف الآن عن هذا وننتقل إلى غيره. أقرأ في الحلقة الثانية من ثلاثية السيرة الذاتية للدكتور زكي نجيب محمود، الموسومة بـ قصة عقل، يحكي فيها عن رحلته الفكرية، وتقلباته بين المناهج تبنيًا وتركًا، تأييدًا ونقضًا، ومعاناته مع مثقفي عصره، والبيروقراطية الأكاديمية، والمحسوبيات، والمعايير الفاسدة، والذائقة المريضة، وانحطاط الفكر، وسوء الأخلاق، وتدني الهمم، وانحلال المبادئ، وكل ما هو سيء. لكنه -لحسن الحظ- أدرك بعد مدة أنه أفرط في الحط على أهله وناسه، وأن التعصب الأعمى والانبهار بما رأى حيّداه عن الجادة. أخالفه في كثير من آرائه، وكنت أتمنى لو لم ...

اليوم الأربعون | يا ليتها ما انقطعت

أربعون، الكمال والتمام، وبداية النقصان... يا ربي كئيبة جدًا. أربعون، تمام الموعد، كمال العمر، ختام الخلوة، بداية جديدة... هذا أفضل. أربعون يومًا انقضت، لم التزم بالكتابة في كل واحد منها بمفرده، حاولتُ مرات قليلة لأكون صادقًا، لكني الآن أتمنى لو أني ما انقطعت عنها يومًا، فما أراه في كل مرة أكتب -وإن انقطعت عنها بضعة أيام- أمر مذهل، على المستويين الذهني والنفسي، أثناء وبعد الكتابة، تتحرك موجات من النشوة في كل بدني، تغمرني، وتزيح أحمالًا كثيرة أثقلت كاهلي، وقطعت جيدي، وحنت ظهري. تداعب ملامح وجهي الجامدة لترسم عليها تعابير الفرح، تضيق عيني، ترتفع وجنتاي، وتشق ابتسامة هادئة طريقها بين شفتيّ. أغمض عيني طويلًا بعدها، أقرأ النص في ذهني ألف ألف مرة، صحيح أني لا أذكره كله كلمة كلمة، لكني أعرف ترتيبه ونظامه، ومعنى كل مقطع منه، أكررها، أتخيلها، أتذكر الصور والأحداث التي داهمتني أثناء الكتابة، أعود إلى الماضي، أنزعج من تعبير استخدمته وتبدأ رغبة إصلاحه بالاستيقاظ، فأروح أهدهدها لتعود إلى النوم أهمهم لها بأن نجاحنا في الكتابة يكفي هذه المرة، وتنجح الحيلة في كل مرة، حتى أصبت بالكسل عن إعادة النظر فيما...

اليومان الثامن والتاسع بعد الثلاثين | أجواء لطيفة

 في حوار عابر اليومَ تطرقنا إلى الفرق بين المهذب والمؤدب، فكان المهذب نصيب أبيض القلب نقي السريرة، من لا يفهم الفحش ولا يظن السوء ولا يفكر بالشر. والمؤدب نصيب أسير الأشياء، أخلاق أو أعراف، دين أو مبدأ، يعرف الشر، ويفكر فيه، يظن السوء، يفهم الفحش، لكن تحجزه الحواجز، وتمنعه الموانع، مجاهدًا أو معتادًا. وبعيدًا عن التسليم بصحة الفرق أو عدمه، هذا المعنى مستحق للتأمل والتفكر، أعني التفرقة بين من يخطر بباله شيء ولا يفعله لأمر ما، ومن لا يخطر بباله أصلًا هذا الأمر، كيف يكونان على نفس الدرجة؟ انطلاقًا من كون الأجر على قدر المشقة، وتسليمًا بالفرق بين اللفظين، أرجح أن المؤدب أرقى حالًا من المهذب، ومقدم عليه. قد يخالفني البعض أو الأكثر، لكن من أطال النظر فيهما يجد فرقًا أوضح من الشمس في رابعة النهار، ويتجلى له فضل المؤدب على المهذب، وكل هذا بفرض صحة التفرقة. وراح كل واحد من المتكلمين في الموضوع يزعم أنه مهذب، لا يظن السوء، ولا يفهم الفحش، ولا يفكر بالشر، والأهم أن قلبه أبيض وسريرته نقية؛ وأخذوا في إقامة الدلائل والبراهين، أو ما كانت هذه صورتها، لكنها في نفس الأمر مغالطات واهية، يرى تمويهها من...