اليومان الثامن والتاسع بعد الثلاثين | أجواء لطيفة
في حوار عابر اليومَ تطرقنا إلى الفرق بين المهذب والمؤدب، فكان المهذب نصيب أبيض القلب نقي السريرة، من لا يفهم الفحش ولا يظن السوء ولا يفكر بالشر. والمؤدب نصيب أسير الأشياء، أخلاق أو أعراف، دين أو مبدأ، يعرف الشر، ويفكر فيه، يظن السوء، يفهم الفحش، لكن تحجزه الحواجز، وتمنعه الموانع، مجاهدًا أو معتادًا.
وبعيدًا عن التسليم بصحة الفرق أو عدمه، هذا المعنى مستحق للتأمل والتفكر، أعني التفرقة بين من يخطر بباله شيء ولا يفعله لأمر ما، ومن لا يخطر بباله أصلًا هذا الأمر، كيف يكونان على نفس الدرجة؟
انطلاقًا من كون الأجر على قدر المشقة، وتسليمًا بالفرق بين اللفظين، أرجح أن المؤدب أرقى حالًا من المهذب، ومقدم عليه. قد يخالفني البعض أو الأكثر، لكن من أطال النظر فيهما يجد فرقًا أوضح من الشمس في رابعة النهار، ويتجلى له فضل المؤدب على المهذب، وكل هذا بفرض صحة التفرقة.
وراح كل واحد من المتكلمين في الموضوع يزعم أنه مهذب، لا يظن السوء، ولا يفهم الفحش، ولا يفكر بالشر، والأهم أن قلبه أبيض وسريرته نقية؛ وأخذوا في إقامة الدلائل والبراهين، أو ما كانت هذه صورتها، لكنها في نفس الأمر مغالطات واهية، يرى تمويهها من له أدنى نظر.
أما أنا -وأعوذ بالله من أنا وأخواتها- فالحمد لله أني لم ألبس ثوبي الزور بتشبعي بما لم أعطه، فأنزلت نفسي منزلها قائلًا: قد سمعت ما زعمتم، وفهمت ما أدرتم، ولا أراكم إلا قومًا بهتًا، كذئاب مستترة في أهب الخراف، رزقكم الله الصدق مع أنفسكم، وأراكم الأشياء على ما هي عليه. لكني لن أكون مثلكم، بل سأقول -مستعينًا بالله- حقًا لا يكذبني فيه أحد: إني يا زملائي في أفضل أحوالي مؤدب قليل الأدب، فأنا -ولن أعيد تعداد الصفات- كما قلتُ وقلتُم، باطني تتقاطع فيه طرق كلها تؤدي إلى الجحيم، وقد وُكّلت بها ووليت عليها، سائرًا إلى الأبد عليها، مرشدًا لمن قاده سوء حظه ونحس طالعه إليها، مؤنسًا لمن انقطعت به السبل فيها؛ استعرت من الشيطان قرنًا، ونسجت من أثر رسول جناحًا، أودعت القرن باطني، واتشحت بالجناح.
فيصل، مؤدب لا يدعي التهذيب.
17 رجب الأصب 1444هـ
8 فبراير 2023م
تعليقات
إرسال تعليق