الأيام الخامس والسادس والسابع بعد الأربعين | الاعتزال أو المزاحمة
كلنا نشتكي من انتشار مظاهر الفحش والسوء والانحطاط والإسفاف واقعيًا وافتراضيًا، وأظن أننا لا نجادل في تأثير ذلك علينا، وانفعالنا له آنًا، وبه آنات.
وهذه طبيعة الإنسان، فهو وعاء فارغ في الأصل، يُملأ بما يرى ويسمع ويشاهد*؛ مدخلات ومخرجات، بما مُلئ ينضح، وبما تلقّن يتفوّه؛ ومن يجادل في هذا لا أضيع وقتي ووقته، فقد رفع عن الإنسان أبرز ما يميزه عن غيره من الحيوانات.
حصل نتيجة لهذا التفشي عودة الخزرج خزرجًا والأوس أوسًا بعد أن كانوا أنصارًا، انشق صف معارضي الإسفاف، فمن معتزل للفتنة كاسر لسيفه مختبئ في كهف يحبس نفسه في ماضٍ لعله به ينجو من براثن الواقع، وآخر ارتدى ملابس أبناء عصره، وماشى ظاهرهم، وباطنه عامر بأمور وأمور، وآخرين كل منهم سائر في طريق اختاره لنفسه، أو اختير له، علم من علم، وجهل من جهل.
لكن غير المعتزلين وأصحاب الكهوف والمحبوسين احتاروا في أمرهم، وأعجزهم ضياع قرارهم، فبعد أن اختاروا قبول الواقع وانحطاطه، فاجأتهم مناظرٌ وأحوال كادت أن تطير عقولهم لها، أما الأخبار التي كانت تصلهم عما غاب عن أبصارهم فهي شيبُ الولدان وذهولُ المرضعات. طال الخلاف والجدل، وزادت الفرق والجماعات، وتبنى من تبنى ما تبنى، وجمع الناس أمتعتهم وشدوا رحالهم، ونفر الحجيج، واختفى الكل، وبقيت أنا وحيرتي متسمرين تحت لهيب السؤال.
أي وجهة أيمم شطرها؟ هل أعود مع من عاد لماضٍ أجد فيه ملهاةً ومسلاةً عن واقع طفح بي كيله؟ أو أنضم إلى صفوف المدافعين عن الأخلاق والمثل والمبادئ؟ أو أسجل في نادي رماية الدر والجوهر في المزابل؟ لأن معارفي وعلاقاتي فيه كثيرة، أو لا أكون أيهم وأقف من الجميع على مسافة واحدة؟
صدقًا لا أنكر حقيقة أن عضوية نادي الرماية مغرية جدًا، خصوصًا والحال كما قلت عن كثرة معارفي، فهناك لن أشعر بالغربة، وسأخلق لي غاية سامية، معنى مضافًا لحياة فيها ما فيها من المعاني، لكن قد يُجادل في سموها. مجد وفخر واعتزاز وجمهور عريض، وفائدة مرجوة، ونية مضطربة أو ممثلة، وربما شكوك تلتهم القلب كل ليلة قبل أن أخلد إلى النوم، لكنها حياة جيدة في النهاية، ترضي ما يريد الإرضاء، وتشبع ما يريد الإشباع.
نقطة أخيرة أبوح لك بها عزيزي القارئ: كتبت هذه التدوينة متفرقةً على الأيام المعدودة في العنوان، فإن وجدت اختلافًا في الأسلوب، أو اضطرابًا في المكتوب، فغض طرفك كرمًا، والتمس لأخيك الأعذار، فلكل جواد كبوة، ولكل سيف نبوة، ولكل عالم هفوة، فكيف بي وأنا لست واحدًا منهم؟
فيصل، آخر من يتحرك
25 رجب 1444هـ
16 فبراير 2023م
*فرّقت هنا -ولا أدري عن صحة هذا- بين الرؤية المحسوسة والمشاهدة عبر الشاشة.
تعليقات
إرسال تعليق