المشاركات

عرض المشاركات من فبراير, 2023

اليوم الثاني والخمسون |

  لا أحسن صياغة المقدمات والمطالع، ولا أجيد التعامل مع البدايات غالبًا، أمرٌ ناقشته مع من أثق برأيهم وحكمهم، ولم أخرج من كلامهم معي بعَقّادٍ نافع. لكن إن كنت تعلمت شيئًا من إخفاقاتي في مقدماتي ومطالعي وبداياتي فهو أن ألا أتكلف، في كل شيء، مطلقًا، لا تتكلف. بعيدًا عن هذه المقدمة وقريبًا منها، لم أخطط أن أتحدث عن البدايات والمقدمات، لكن لم أجد مقدمةً أبدأ بها ما أريد قوله إلا أن أقدم عجزي عن إتياني بواحدة. والآن لا أستطيع أن أبدأ في كتابة حديثي، لذا سأسرد الفكرة سردًا بعيدًا عن كل ما يمكن أن يعيق تدفق سيل الكلام، الأمثال والحكم الشعبية تحتل مكانة مهمة في كل ثقافة، وكذلك في قلبي، فهي تجذبني جذبًا عنيفًا إليها، أحب أن أعرفها وأن أحفظها بلغتها ولسانها الأصلي إن استطعت وإلا حفظتُ معناها وصغتُه بعبارة منمقة. إلى جانب حكمة الأجيال المورثة المكنوزة في هذه الحكم، فأكثر ما يثير اهتمامي فيها هي قصصها -إن كان لها واحدة- ومجازاتها وتصويراتها، فهي تأسر لبي، وتأخذ من وقتي الكثير تأملًا فيها وفي تفاصيلها، ومحاولة النسج على منوالها، أو حلها وتركيبها بطرق مختلفة. للأسف لن أجبر نفسي على الإكثار من الك...

الأيام الثامن والأربعون والتاسع والأربعون والخمسون والواحد والخمسون|

لا أذكر متى كانت المرة الأخيرة التي جلستُ فيها حائرًا لا أدري ماذا أكتب، أو كيف أبدأ كتابتي. طال فراقي عن هذه الحالة، لكن شقيقتها لم تتركني لحظة، واليوم التأم شملنا. أتريد معرفة شقيقتها؟ هي ظلي الذي لا يفارقني، لصيقي، إهابي، لجامي؛ تملّكت لساني وصار طوع إرادتها، لا ينطق إلا إذا أرادت، ويمسك إذا أشارت: صعوبة التعبير عما يجول في خاطري. مضحك لقاؤنا هذا بعد طول الغياب، على ما فيه من معاناة، إلا أن في طيّه أمور وأمور، إن ذكرتها قالتْ: انحياز للماضي. أو مصطلحًا يشبهه تحب استخدامه معي ومع حالاتي. لطيفة اختياراتها، تصبغ الأشياء بلون روحها، حتى تلك القاتمة، تصير بكلماتها مشرقةً وضيّة. لا بد أن أقنع بالقليل من كتابتي إن أردتها يومية، أو لابد من الحزم والشدة مع ذاتي الكاتبة لأخرج منها المزيد كل يوم. خياران أحلاهما مر، ومفترق طريقين كلاهما وعر. فهذا المكتوب -على قصره- استغرق أكثر الأيام المعدودة، ذهابًا وإيابًا، إعادةً وإنشاءً.  فيصل، يعلم أن القناعة كنز لا يفنى 29 رجب الأصب 1444هـ 20 فبراير 2023م

الأيام الخامس والسادس والسابع بعد الأربعين | الاعتزال أو المزاحمة

كلنا نشتكي من انتشار مظاهر الفحش والسوء والانحطاط والإسفاف واقعيًا وافتراضيًا، وأظن أننا لا نجادل في تأثير ذلك علينا، وانفعالنا له آنًا، وبه آنات. وهذه طبيعة الإنسان، فهو وعاء فارغ في الأصل، يُملأ بما يرى ويسمع ويشاهد*؛ مدخلات ومخرجات، بما مُلئ ينضح، وبما تلقّن يتفوّه؛ ومن يجادل في هذا لا أضيع وقتي ووقته، فقد رفع عن الإنسان أبرز ما يميزه عن غيره من الحيوانات. حصل نتيجة لهذا التفشي عودة الخزرج خزرجًا والأوس أوسًا بعد أن كانوا أنصارًا، انشق صف معارضي الإسفاف، فمن معتزل للفتنة كاسر لسيفه مختبئ في كهف يحبس نفسه في ماضٍ لعله به ينجو من براثن الواقع، وآخر ارتدى ملابس أبناء عصره، وماشى ظاهرهم، وباطنه عامر بأمور وأمور، وآخرين كل منهم سائر في طريق اختاره لنفسه، أو اختير له، علم من علم، وجهل من جهل. لكن غير المعتزلين وأصحاب الكهوف والمحبوسين احتاروا في أمرهم، وأعجزهم ضياع قرارهم، فبعد أن اختاروا قبول الواقع وانحطاطه، فاجأتهم مناظرٌ وأحوال كادت أن تطير عقولهم لها، أما الأخبار التي كانت تصلهم عما غاب عن أبصارهم فهي شيبُ الولدان وذهولُ المرضعات. طال الخلاف والجدل، وزادت الفرق والجماعات، وتبنى من تب...

اليوم الرابع والأربعون | اليوميات لا تحتاج إلى عناوين

  لأنك رأيت -عزيزي القارئ- عنوان التدوينة، أريد أن أخبرك بشيء، احترت حقيقةً في ماهية ما أكتبه هنا تحت الأيام المعدودة، فافترضتها يوميات، لأنها أقرب ما يكون إليها، إلا أن اليوميات مبناها -غالبًا- على الأحداث الحاصلة خارج الإنسان، فهو يصف يومه، وما قابله فيه، والبعض قد يزيد ما شعر به تجاه ما حصل خلال اليوم. أما ما أفعله أنا فهو تصوير وإخبار عما يجري في داخلي من أحداث يومية، وأفكار سبهللية، ورغبات أشعبية، وحكم علوية، وتأملات فزلوكية، وأشياء كثيرة لا أستطيع إيجاد وصف لها يناسبها. لكن ابتداءً من التدوينة القادمة لن أشترط وسم التدوينات بأسماء زائدة على تعدادها، إلا لمناسبة أو أخرى، فالأمر راجع إلي تخييرًا. ليس كل ما يعلم يقال، وكذلك ما نشعر به، إلا أن الله أراد أن يكون ناس لا يكبحون جماح كلامهم، ولا يثنون عنان أقلامهم، غسيلهم منشور في كل مكان، حتى صاروا حديث كل لسان، فاللهم لا تجعلنا منهم، ولا تجمعنا بهم، وباعد بيننا وبينهم. فاحذر منهم قارئي الكريم، فالأمر  جلل والخطب عظيم، لأن القرين يقتدي بقرينه، وأخلاق الجليس تسري لجليسه من حيث لا يشعر، فلا يدري إلا وهو نسخة طبق الأصل عنه، اعتاد ...

الأيام الأول والثاني والثالث بعد الأربعين | كلام على كلام

لم أحاول أن أجد وقتًا في أوقات فراغي الكثيرة للكتابة خلال عطلة نهاية الأسبوع، ما زلتُ أسعى للتخلص من هذا الكسل والبدء بالكتابة في هذا الوقت المهم المهمل. كما قلتُ سابقًا لم أكتب  كثيرًا عن تفاصيل الفترة الماضية، رغم ما حملته من أحداث وفعاليات كثيرة، وأستذكر هذا الأمر هنا، لتحيري في الإخبار عن أمر حصل في نهاية الأسبوع المنصرم... توقفت عن الكتابة بعد كلمة المنصرم، أحاديث العمل الجانبية لا تنتهي، لكن هذه المرة كانت تهمني، وليس هذا محل الحديث عن العمل، فلنتوقف الآن عن هذا وننتقل إلى غيره. أقرأ في الحلقة الثانية من ثلاثية السيرة الذاتية للدكتور زكي نجيب محمود، الموسومة بـ قصة عقل، يحكي فيها عن رحلته الفكرية، وتقلباته بين المناهج تبنيًا وتركًا، تأييدًا ونقضًا، ومعاناته مع مثقفي عصره، والبيروقراطية الأكاديمية، والمحسوبيات، والمعايير الفاسدة، والذائقة المريضة، وانحطاط الفكر، وسوء الأخلاق، وتدني الهمم، وانحلال المبادئ، وكل ما هو سيء. لكنه -لحسن الحظ- أدرك بعد مدة أنه أفرط في الحط على أهله وناسه، وأن التعصب الأعمى والانبهار بما رأى حيّداه عن الجادة. أخالفه في كثير من آرائه، وكنت أتمنى لو لم ...

اليوم الأربعون | يا ليتها ما انقطعت

أربعون، الكمال والتمام، وبداية النقصان... يا ربي كئيبة جدًا. أربعون، تمام الموعد، كمال العمر، ختام الخلوة، بداية جديدة... هذا أفضل. أربعون يومًا انقضت، لم التزم بالكتابة في كل واحد منها بمفرده، حاولتُ مرات قليلة لأكون صادقًا، لكني الآن أتمنى لو أني ما انقطعت عنها يومًا، فما أراه في كل مرة أكتب -وإن انقطعت عنها بضعة أيام- أمر مذهل، على المستويين الذهني والنفسي، أثناء وبعد الكتابة، تتحرك موجات من النشوة في كل بدني، تغمرني، وتزيح أحمالًا كثيرة أثقلت كاهلي، وقطعت جيدي، وحنت ظهري. تداعب ملامح وجهي الجامدة لترسم عليها تعابير الفرح، تضيق عيني، ترتفع وجنتاي، وتشق ابتسامة هادئة طريقها بين شفتيّ. أغمض عيني طويلًا بعدها، أقرأ النص في ذهني ألف ألف مرة، صحيح أني لا أذكره كله كلمة كلمة، لكني أعرف ترتيبه ونظامه، ومعنى كل مقطع منه، أكررها، أتخيلها، أتذكر الصور والأحداث التي داهمتني أثناء الكتابة، أعود إلى الماضي، أنزعج من تعبير استخدمته وتبدأ رغبة إصلاحه بالاستيقاظ، فأروح أهدهدها لتعود إلى النوم أهمهم لها بأن نجاحنا في الكتابة يكفي هذه المرة، وتنجح الحيلة في كل مرة، حتى أصبت بالكسل عن إعادة النظر فيما...

اليومان الثامن والتاسع بعد الثلاثين | أجواء لطيفة

 في حوار عابر اليومَ تطرقنا إلى الفرق بين المهذب والمؤدب، فكان المهذب نصيب أبيض القلب نقي السريرة، من لا يفهم الفحش ولا يظن السوء ولا يفكر بالشر. والمؤدب نصيب أسير الأشياء، أخلاق أو أعراف، دين أو مبدأ، يعرف الشر، ويفكر فيه، يظن السوء، يفهم الفحش، لكن تحجزه الحواجز، وتمنعه الموانع، مجاهدًا أو معتادًا. وبعيدًا عن التسليم بصحة الفرق أو عدمه، هذا المعنى مستحق للتأمل والتفكر، أعني التفرقة بين من يخطر بباله شيء ولا يفعله لأمر ما، ومن لا يخطر بباله أصلًا هذا الأمر، كيف يكونان على نفس الدرجة؟ انطلاقًا من كون الأجر على قدر المشقة، وتسليمًا بالفرق بين اللفظين، أرجح أن المؤدب أرقى حالًا من المهذب، ومقدم عليه. قد يخالفني البعض أو الأكثر، لكن من أطال النظر فيهما يجد فرقًا أوضح من الشمس في رابعة النهار، ويتجلى له فضل المؤدب على المهذب، وكل هذا بفرض صحة التفرقة. وراح كل واحد من المتكلمين في الموضوع يزعم أنه مهذب، لا يظن السوء، ولا يفهم الفحش، ولا يفكر بالشر، والأهم أن قلبه أبيض وسريرته نقية؛ وأخذوا في إقامة الدلائل والبراهين، أو ما كانت هذه صورتها، لكنها في نفس الأمر مغالطات واهية، يرى تمويهها من...

رسالة من صديق | خبط عشواء

 في أحد آحاد هذا العام، جلست على ناصية شارع مع أحد صديق لي، تفرقت بنا السبل اليوم، ولم يعد لدروبنا التقاء والتحام. جلسة أنس وعتاب بعد غياب، ما ندري أنها الأخيرة، ولم يخطر ببالنا قط أن نتوقع حصول أمر كهذا؛ لكني أزعم أن دواخلنا كانت تقاوم هذا الشعور بالخطر الداهم، خطر من المجهول، كلانا يتوقعه، ولا يبدي شيئا، لكن أن يكون هذا الخطر محدقًا بنا إلى هذا الحد، أمر لم يكن بالحسبان. لا أريد أن أكون مكثارًا مهذارًا وأحدثكم عن تفاصيل ما حصل، أو عن حقيقة الخطر المحدق بنا، لكني سأنقل ههنا كلمات أظنها مؤهلة للخلود، أو على الأقل البقاء هنا، في هذا المكان، حيث تقيأت مرارًا وتكرارًا، كما سأتقيأ هذه المرة. كلمات قالها صديقي، أو قلتها أنا، كلانا أراد التعبير عنها، أن تصوغ عبارة، تخيط الكلمات بعضها إلى بعض، ترقع ما بينها من فراغات، لتكتمل صورة شوهاء قد توصل ما تريد لواحد في الألف، والمقلق أن الواحد في الألف ميت. يقول: لا تعبأ بما سيحل بغيرك إن آثرت سلامتك، ولا لوم عليك يلقى إن لم يكن لك سبب في ضرر غيرك، أو ضر غيرك نفسه لأجلك، ما لم تطالبه أو تحرضه على مثل هذا. فإن بادر هو بفدائك أو البذل لأجلك، وأصابه ...

اليوم السابع والثلاثون | مواقف وأفكار

لا أعتقد أني أجيد رواية القصص وحكايتها للناس، فما بالك لو كانت الحكاية عني، وما دفنته عميقًا في قلبي، وما أخفيته من إشارات العيون والأفعال، وما كتمته من الكلمات والأقوال.لا أستطيع، مجرد تخيلي لهذا يثير فيّ هلعًا لا لا يهدأ أبدًا، رغم أن الكلام عن النفس -بالأخص عن أمجادها وبطولاتها، أو على الأقل ما تراه هي كذلك- من ألذ الأمور لها وأشهاها، ولا ينازع في هذا إلا من لا عقل له يعقل به اللذات المعنوية، ويفرق به بين مراتبها. هذه المرة بدايتي أسجلها اعترافًا في مدونتي للمرة الأولى، عدا عن أشياء رمزت إليها رمزًا، لا يحلها إلا من عرفني، فلا أخشى عليه أبدًا، لاعتقادي بعدم وجود من عرفني إلى الحد الذي يمكّنه من حلها. وهذه المرة الأولى -بحسب الذاكرة- أكتب عنوان التدوينة قبل أن أكتبها، وصدقًا لهو أمر غريب لا أفهمه، ولا أفهم من يفعله، إن كان هناك أحد أصلًا، ففيه إقدام وجرأة هي للحمق والتهور أقرب، لكنا نراها عند ولادة الآدميين كل يوم، ولا نلقي لها بالًا، فهذا عابد لم يصلِّ لله ركعة، وذاك جمال دميم الخلقة، وصابر لا يصبر، وشريفة عاهرة، وفرح مكتئبة، وهيفاء معصمها يكتم الأساور والحلي. ولا نعجب من سير القصص ...

الأيام من الثلاثين إلى السادس والثلاثين | وقفة حائر

 إن كنت سأكتب عن الإنسان، فلا أدري كم مرة سأبدأ كتابتي بعبارة: لا ينفك الإنسان عن إثارة استغرابي. وللمفارقة حتى لو كتبت عني فأنا -على الفرض الأصلي- إنسان، وإن كان غير النفس غريب يدهش، فالنفس وما حوت عجيبة تحير. الحاصل، لم أرعوِ عن الكتابة في صباحات العمل، فأنا أكتب الآن وعقارب الساعة تشير إلى العاشرة وأربعة وأربعين دقيقة، ولم يقطعني عن الكتابة -حتى الآن- أحاديث جانبية، وأرجو ألا يحصل، فأنا منغمس فيها للحد الذي لا أشعر عنده بمن حولي، وقد بليت بأقوام لا يحترمون حرمًا ولا يقدرون خصوصية، بلاء نازل من السماء، إن وجدوا في حيزك فلا بد أن يشغلوه حسًا ومعنى. قاطعني زميل لطيف، ليس أحدهم، لكنه يكاد يصير مثلهم، إنها عدوى تنتشر ولا لقاح لها؛ لكن مقاطعته كانت لدعوتي لطعام الإفطار الجماعي المفاجئ، سأذهب الآن. أعود للكتابة، بعد انقطاع دام ثلاثة وعشرين ساعة وزيادة، وأحمل خبرًا مؤلمًا، ولدي الكثير لأقوله، عن الأمس واليوم. محمل بأثقال كثيرة، الميداليات الشرفية، أوسمة الحروب، شهادات حسن السيرة والسلوك، ألقاب مملكة في غير موضعها، أشياء شتى لا يجمع بينها إلا ثقلها، وهم واحد غطى على البقية، وطغى على الرع...