الأيام من الثلاثين إلى السادس والثلاثين | وقفة حائر

 إن كنت سأكتب عن الإنسان، فلا أدري كم مرة سأبدأ كتابتي بعبارة: لا ينفك الإنسان عن إثارة استغرابي. وللمفارقة حتى لو كتبت عني فأنا -على الفرض الأصلي- إنسان، وإن كان غير النفس غريب يدهش، فالنفس وما حوت عجيبة تحير.

الحاصل، لم أرعوِ عن الكتابة في صباحات العمل، فأنا أكتب الآن وعقارب الساعة تشير إلى العاشرة وأربعة وأربعين دقيقة، ولم يقطعني عن الكتابة -حتى الآن- أحاديث جانبية، وأرجو ألا يحصل، فأنا منغمس فيها للحد الذي لا أشعر عنده بمن حولي، وقد بليت بأقوام لا يحترمون حرمًا ولا يقدرون خصوصية، بلاء نازل من السماء، إن وجدوا في حيزك فلا بد أن يشغلوه حسًا ومعنى.

قاطعني زميل لطيف، ليس أحدهم، لكنه يكاد يصير مثلهم، إنها عدوى تنتشر ولا لقاح لها؛ لكن مقاطعته كانت لدعوتي لطعام الإفطار الجماعي المفاجئ، سأذهب الآن.

أعود للكتابة، بعد انقطاع دام ثلاثة وعشرين ساعة وزيادة، وأحمل خبرًا مؤلمًا، ولدي الكثير لأقوله، عن الأمس واليوم.

محمل بأثقال كثيرة، الميداليات الشرفية، أوسمة الحروب، شهادات حسن السيرة والسلوك، ألقاب مملكة في غير موضعها، أشياء شتى لا يجمع بينها إلا ثقلها، وهم واحد غطى على البقية، وطغى على الرعية. أما الخبر فهو وفاة جدتي التي لم تلد أمي ولا أرضعتها، لكن علمتها وربتها ونورتها، فقدت أمي أمَها مرتين، كما فقدت أباها مرتين، مسكينة أمي كل ما في حياتها مضاعف، وحتى أفراحها وإن تضاعفت فهي لا تكفي لمواجهة غيرها من المضاعفات، لكنها في كل مرة تنجو، وتنجح في إزاحة ما طرأ عليها، لكني أخاف عليها هذه المرة، فهي الأخيرة، لأن أمي لم يبق لها أشخاص يكونون لها كما كان الأربعة لها، أمها وأمها، أبوها وأبوها، وآخر الأحزان -على ما جرت العادة- أضيقها وأخنقها، إذ لا تفرج الأمور إلا عند استحكام الحلقات، ومن الذي يصبر على الاستحكام الأخير؟

توقفت عن الكتابة بالأمس عند التساؤل، ولم أكمل إلا اليوم، واليوم أكمل لأتوقف بعد هذه الفقرة للذهاب إلى المنزل لتناول طعام الغداء، ولا أدري متى سأعود، لكني أرجو أن أنتهي من هذه التدوينة في أقرب وقت، لأني لم أعد أحتمل.

لم أعد للكتابة في نفس اليوم، شُغلت عنها بأمور كثيرة، كأني أتعمد التأخر في الكتابة، أو أتعمد التأخر عن الكتابة، كطفل في مدرسته، يقف في طابور طويل، ليصل في آخره إلى حقنة التطعيم، وفي كل مرة يأتي خلفه طالب يدفعه أمامه، يتقدم إن لم يأتِ خلفه أحد، ويتأخر في كل فرصة، والناظر يخيل إليه أنه يتحرك، ولكن لا يلاحظ أنه لا يلبث يعود إلى مكانه دون أن يتراجع؛ أنا ذلك الطفل، والكتابة هي الإبرة التي تنتظرني، لنقل -إن صح التعبير- شر لا بد منه.

دارت الأيام، وطالت، وكثر الهزال فيها والعبثية، وحتى بعد تحصيل المتع واللذات أكون أنا الضحية. خططتُ كثيرًا لأشياء كثيرة، لا أحصي لها عددًا، لكن ما إن أصبحت في أحد هذه الأيام التي أكتب فيها حتى راحت بددًا، نسيتها أو نُسّيتها أو أنسيتها، اختر ما شئت فالمعنى واحد، تبخرت من دماغي، كما تتبخر الروح عند جفاف القلب.

أشتهي أن أقرأ مجازات كثيرة، صورًا جديدة، أيقظت هذه الشهوة قراءة سيرة الدكتور زكي نجيب محمود التي خطها، واعجب ما شئت أن تعجب منها كونها أدبية جيدة بارزة من حضرة فيلسوف عقلاني انتصر في أوقات ما للمنهج العلمي التجريبي، وثار مرات كثيرة لأسباب ولغير أسباب، لكن خلف الغبار الذي أثارته هذه المعارك والكر والفر بين المناهج والأساليب، أديب رقيق القلب، جياش المشاعر، يغيب عقله عند أدنى انفعال، حساس، منعزل، يخشى الناس ولا يتمنى لقاءهم، وإن اضطر فهو متحفظ صامت، لا يطيل النظرَ، ولا يتكلم إلا نزرًا، حلو اللسان، عذب الألفاظ، حسن التراكيب، جميل الصور، تنساب الكلمات من قلمه نهرًا ينعش الروح خريره، وتشفي الروح برودته، كأنه ترنيمة تهدئ بها أم وليدها، أو ترنيمة يتردد صداى ذكراها في هدوء بين جدران دير خلا من الرهبان.

طالت فترة الكتابة، ولم أكتب كثيرًا، ولا أريد أن أبدو متكلفًا، مع أني لا أبالي بمَ أبدو عليه، لكنها اللباقة على أي حال مع من عرفت ومن لم أعرف.

فيصل، طال غيابه وكثرت أسبابه

14 رجب الأصب 1444هـ

5 فبراير 2023م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بارق التجليات في ذكر شيء من نوادر المخطوطات

اليوم الأخير

أشتات عن المسلسَلات