رسالة من صديق | خبط عشواء

 في أحد آحاد هذا العام، جلست على ناصية شارع مع أحد صديق لي، تفرقت بنا السبل اليوم، ولم يعد لدروبنا التقاء والتحام.

جلسة أنس وعتاب بعد غياب، ما ندري أنها الأخيرة، ولم يخطر ببالنا قط أن نتوقع حصول أمر كهذا؛ لكني أزعم أن دواخلنا كانت تقاوم هذا الشعور بالخطر الداهم، خطر من المجهول، كلانا يتوقعه، ولا يبدي شيئا، لكن أن يكون هذا الخطر محدقًا بنا إلى هذا الحد، أمر لم يكن بالحسبان.

لا أريد أن أكون مكثارًا مهذارًا وأحدثكم عن تفاصيل ما حصل، أو عن حقيقة الخطر المحدق بنا، لكني سأنقل ههنا كلمات أظنها مؤهلة للخلود، أو على الأقل البقاء هنا، في هذا المكان، حيث تقيأت مرارًا وتكرارًا، كما سأتقيأ هذه المرة.

كلمات قالها صديقي، أو قلتها أنا، كلانا أراد التعبير عنها، أن تصوغ عبارة، تخيط الكلمات بعضها إلى بعض، ترقع ما بينها من فراغات، لتكتمل صورة شوهاء قد توصل ما تريد لواحد في الألف، والمقلق أن الواحد في الألف ميت.

يقول: لا تعبأ بما سيحل بغيرك إن آثرت سلامتك، ولا لوم عليك يلقى إن لم يكن لك سبب في ضرر غيرك، أو ضر غيرك نفسه لأجلك، ما لم تطالبه أو تحرضه على مثل هذا.

فإن بادر هو بفدائك أو البذل لأجلك، وأصابه ضرر نتاجًا لهذا، فلا تلم لنفسك، ولا يأخذن منك الذنب مأخذًا، فلم يضره أحد إلا نفسه، ولو كان واعيًا عاقلًا لما فعل بنفسه ما فعل، إن كان يعلم مصلحته وتدبير أمور نفسه.

خذ ما قُدم إليك، لا تنقب خلفه، ولا تبحث عن مصدره، واحمد الله على ما آتاك، فغيرك لا يرى ما بين يديك حتى يموت، فكيف بك أنت وأنت تلهو به وتلعب ليل نهار، لا يؤاخذك على هذا أحد، ولا يعذلك في أحبابك عاذل.

إلا أمر يغيب عن الناس آنا، ويظهر آنات، مثل ملامح وجه ضبابية، ترتسم لحظة، ثم ما تلبث أن تتلاشى، إن ارتسمت رأيتها حادة، نظرة ثاقبة تشاهد روحك، بريق وهاج في العينين، كأن الشهب تعبرها كل ليلة ألف مرة، قسمات لا تظهر واضحة لسطوع إشراق لونها، كأنها الشمس تتصور فيها ملامح إنسان، قد يكون حقيقيًا أو مخترعًا، لكنك تراه هناك، واقفًا يسبر دواخلك بنظراته.

أحيانًا لا تخترق عيناه أبعد من ملامحي، وأحيانًا تصل إلى أعماقي، وتضرم فيها حرائق لا تخمد.

عجيب أمر بعض الأشياء، من تصور عدم سهولة الحياة بعدمها أو استحالتها، إلى سقوطها من عين اهتمامك دفعةً واحدةً تحت أدنى طارئ، تستغني عنها لغيرها، أو هي تستغني عنك لغيرك، سيرورة الحياة لا تتوقف، وكذلك استبدال الأشياء بالأشياء.

المال، والمنافع، واللذات، والخدمات، والأغراض، والأعراض، والأصول، والفروع، والأوراق، والبذور، والمبادئ، والثوابت، والأفكار، والكتب، والذوات، والأشخاص، والناس، وكل شيء بالمال، والمنافع، واللذات، والخدمات، والأغراض، والأعراض، والأصول، والفروع، والأوراق، والبذور، والمبادئ، والثوابت، والأفكار، والكتب، والذوات، والأشخاص، والناس وكل شيء.

ويعزي من أرادَ التعزيةَ قولُهم: كل حاجة بتعدي. وقولهم: مش مهم. وقولهم: مش حقيقي. ومن لم يرد فلن يعزيه أي عزاء بلغ ما بلغ، فالانفعال لهذه الأمور اختيار، أو بداية الانفعال لها أو بها اختيار، وما سواه يجري جبرًا لا اختيار فيه، ككثير من الأفعال.

تعلق القلب بالأشياء مبدؤه إطلاق نظر عينيه أو فكره أو خياله أو توقعاته في وإلى الأشياء، حتى تصير عادته النظر والتفكير والخيال والتوقع، ثم تتحول العادة لسجية، ثم لخصلة، ثم لأخص الصفات الذاتية، وهنا تكبو الجياد وتنبو السيوف، فيظن من استسلم لوقع واقعه عليه -أو ما أصبح هو عليه- ووطأته أنها النهاية، فيستلقي منتظرًا موته أو موت الآخر، ينزف ببطء، تبرد أطرافه، تغبش رؤيته، تختلط الأفكار، تتشوش الذاكرة، لقطات من لحظات شتى تغزو الذاكرة، ظلام دامس، انتهى كل شيء.

صديق فيصل، يبث همه من خلاله

أحد الآحاد 2023م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بارق التجليات في ذكر شيء من نوادر المخطوطات

اليوم الأخير

أشتات عن المسلسَلات