المشاركات

عرض المشاركات من يناير, 2023

الأيام من الثالث والعشرين إلى التاسع والعشرين | لم أجزم في اختيار عنوان

لا بد أن أكتب في الصباح الباكر، اعتمادي على الكتابة في بدايات أيام العمل لا تثمر شيئًا، بحكم تزاحم واجبات الوقت وفرائضه، وامتلاء ساحتي بالأحاديث الجانبية، وانشغال عقلي بالتفكير في أمور لا تأتي بخير لكتاباتي الخاصة. لا أدري إن كان هذا أطول الانقطاعات، لكنه طال حتى جاوز الحد، أو قل: أطلته حتى جاوزت حدي. وأنا بهذا مستحق للتقريع والتأديب، لأني مسترسل في ممارسة لذات نفسي، متبعها هواها، مؤثر لراحتها، وويلي ثم ويلي من صنع يدي. أشتهي أن أكتب كثيرًا، أن أكتب وأكتب وأكتب حتى أتعب، حتى. تتوقف أصابعي عن الطباعة، ويدي عن الحركة، وأفكاري عن التكاثر، ومعانيَّ عن الانتساج، أريد أن أكتب حتى يتوقف كل شيء، وأريد أن أعبر عن كل مكنون صدري، كله، لا أبقي منه شيئًا، أوجه رسالة لكل من أخفيت عنه كلامي، أو لم أقل له كل ما أريد، أو لم أعبر له عن كرهي لقسماته وكلماته، كرهي لذاته، واشمئزازي منه، أو احتقاري له، وبدأت بالحط والتنقيص لئلا يظن أصحاب الظنون بي خيرًا؛ أو أكتب لمن أحب كيف أحبه، وكيف أني أشتاق إليه في كل لحظة ألف مرة، وكيف أني لا أتنفس إلا بحياته، وكيف أني وإياه روح تفرقت في جسدين، فذاقت مر البعد والفراق م...

الأيام من السابع عشر إلى الثاني والعشرين | نشوة وعناصر متضادة

 لا أدري لم، ولا أريد أن أدري، لكني أشعر بانتشاء غريب، سعادة مشوبة بتفاؤل ، ليست مفرطة - حمدًا لله- لكنها تفي بالغرض، كافية لقلب حالة الانكفاء على ذاتي، مرضية بعد السخط على الدنيا وما فيها من أحوال عجيبة، كأنها أمان بعد خوف، أو هي فعلًا كذلك، لا أدري. ما زلت في إجازة، لكني أعمل في إجازتي، صحيح ليس ترسًا في الآلة المعتادة، لكني ترس في آلة تدير عجلة الرأسمالية المقيتة، ولأكتفي ذاتيًا في هذا الوقت المميز من حياة البشر على أرضنا الجميلة؛ إذ هو أكثر العصور -على الأقل فيما نعلم- انحطاطًا، على كافة الأصعدة المعلومة وغير المعلومة، المثبتة علميًا والخرافية؛ لا أريد الإطالة في تنفيس الغضب وإخراج الشتائم، لأني لا أجد لها مكانًا في هذا المكتوب، على الأقل ليس اليوم. كانت بداية هذه الكتابة في أول اليوم السابع عشر، واليوم أكمل ما بدأته، ويعزيني -مثل كل مرة- أن أصل متأخرًا خير من أن لا أصل أبدًا. انتهت إجازتي، اليوم عودتي للعمل، ولسان الحال يقول: Ah shit, here we go again. آسفًا أقولها، لأني أحب الكتابة، ولا يهمني إن كانت تحبني، لا في الحقيقة يهمني لكني لا أدري إن كانت كذلك أو لا. فإن كنت أحب ما أ...

الأيام من الثاني عشر إلى السادس عشر| فراغ وإجازة ومرآة ودروب

 أشعر بفراغ في رأسي، ثقب لا يمتلئ أبدًا مهما ردمته، بئر لا قاع لها، حتى إن ألقيت فيها ثقلًا معدنيًا لن تنقطع قرقعته في رأسك أبدًا، تتحول القرقعة أحيانًا لما يشبه صوت الجرس، أو أنني صرت أتوهم هذا لطول المدة التي عشت فيها مع هذه الأصوات. لكن يخبئ القدر للإنسان في كل يوم عجائب، وعجائبه كلما خفي ظهورها قوي أثرها، ولا يدرك العلاقة بينهما إلا بعد مدة طويلة، غالبًا ما تكون بعد سخط وغضب، واعتراض على ما لا مفر منه، ثم في لحظة غالبًا ما تكون غير متوقعة، يجد الإنسان نفسه غارقًا في تفاصيل ذكرياته، تظهر بعضها بوضوح أكبر، تفاصيل لم يلق بالًا لها قبلًا، لكنه الآن يدرك عجائبها، وسيبقى حيران لا يدري كيف غابت عليه هذه الأشياء كل هذا الوقت. هذا هو الإنسان، وهذا طبعه، والطبع يغلب التطبع، فحتى إن كان الإنسان مستصحبًا لهذا المعنى -خفاء عجائب القدر- يحصل أن تغيب عنه كل هذه المعاني، فلا يصل منها إلى عقله الواعي شيء أبدًا، حتى إذا زالت غشاوة الطبع، وانقضت مراحل التأمل والتذكر، عاد رسوخ المعاني أقوى، واستصحابها أظهر. أقول هذا مقدمةً لخبر صادم، استيقظت اليوم بسبب توقف الأجراس لثانيتين أو ثلاث، استيقظت مندهشً...

اليومان العاشر والحادي عشر | ضائع ينشد مستقبله

 إن كان لنا وصف الإنسان بغير الأوصاف المعتادة من المستخلف في الأرض، أو الحيوان الناطق، أو الكائن المتسائل، فإننا لن نجد مثل وصفه بالفضول و(اللقافة). يقضي عمره لينجو إلى مستقبله، لكنه لا يمضي لحظة منه حيًا فيه، مستمتعًا به، شاعرًا بتفاصيله. خيوط العمر تنسل خيطًا خيطًا من نسيجه، رمال ساعته تتسلل من بين يديه كالماء، يقبض محاولًا المرة تلو الأخرى، لكنه لا يرجع بشيء. يتوهم ما أنفقه من العمر هو الحياة، بعيدًا عن المعاني، قريبًا من المحسوسات، زارعًا نفسه في غابات الإسمنت، تاركًا جنة بيته بلا جذوره فيها، يمر عابرًا على أهله، كالهواء، لكنه مثقِل مثقَل، هواء مشبع بالرطوبة، خانق، لا يدخل في صدرك إلا ليزعجك ويثقله. ثم إذا توقف مرة أو اثنتين في هذه الرحلة المكروبة، فإنه يتوقف ليسأل عن المستقبل من لا يعرف شيئا، لكنه يتحرق شوقًا للاطلاع على غيبه، فتجده عند قارئي الأشياء، كف أو فنجان، أو إن شئت بطاقات وأوراق، لا يهم؛ المهم أن تؤمن ولا تجرّب، فيسوع على الجبل عندما امتحنه الشيطان قال له (لا تجرب الرب إلهك)؛ فإن أردت وضوح الرؤية، وكمال الانكشاف، فأغرق قلبك إيمانًا، وافتح عينيك تلهفًا وتطلعًا؛ وعند اك...

اليوم التاسع | بدون عنوان

حسن المطلع ينبئ بالخير؛ لم أزل حائرًا كيف أجيد هذا الأمر، أن أبقي قارئي منشغلًا بنصي عن كل شيء من مبتدأه إلى ختامه، وأن أسرق عقله حتى إن لم يكن نصي حاضرًا بين يديه بأن يفكر في ما كتبت ليلَه ونهاره، فأنا أطمح لأن أؤثر في قارئي أثناء القراءة وبعدها، إلى ما شاء الله، ولا أريد أن أنزل بهذا الطموح أبدًا، بل أرجو أن أموت محاولًا إن لم أمت واصلًا محققًا غايتي. حسنًا تبدو هذه مقدمة جيدة لخطف القارئ، في تقديري المتواضع طبعًا والمحتمل للتغير مستقبلًا قريبًا أو بعيدًا؛ المهم انقطعت عن الكتابة عند (فأنا أطمح)، ولم أكمل ما بعدها إلا عند انقضاء أزيد من ساعة وثلاثة أرباع أخرى، وقت طويل كافٍ لقطع حبال الأفكار ووشائجها، لكني احتفظت بتفاصيل المقدمة في ذاكرتي بعيدًا جدًا عن يد الوقت الآثمة، التي لا تذر شيئًا في الوجود على حاله، لا تستطيع إلا ترك أثرها وبصمتها على ملامح صفحة الوجود. احتفظت بها، وخمّرتها، وفكرت في معانيها كثيرًا، لم أحررها، ولم أدقق في جودة ألفاظها واتساقها، لكني أظن أنها حتى الآن تسير بشكل جيّد، وكما قيل: مراية الحب عميا. أتظن أني أحب نفسي؟ أو أحب ما أكتب؟ أو لعلك تجزم أني كذلك! عجيب، بقد...

الأيام السادس والسابع والثامن | "استمر في محاولة الحياة، مصيرها تضبط"

 أجاد من صاغ العبارة في اللغة الخفيفة وحسن النصيحة، وكفاني بها عناء نحت غيرها لتوجيهها للكتابة، فأنا ما زلت أحاول الكتابة، وأحاول، وأحاول، مرة بعد أخرى، مؤمنًا بأنها ستنضبط في يوم ما. مرة أخرى أسقط أيامًا من جدول الكتابة، أو ألهو بعيدًا عن ممارسة ما أعتبره واجب الوقت من ناحية مهارية أو مهنية، لكني أعود في كل مرة معتذرًا لأجدد العهد، شاحذًا سيف عزيمتي، مستعدًا لمواجهة مؤرقات الكتاب، كما يسميها رومانسيو الثقافة. وكالعادة أكتب كل ما يجول في خاطري، دون تفكير قبل الكتابة، ولا تحرير بعدها؛ (أكتب اليوميات والخواطر اللحظية) هذا ما أعلل به الأمر، فكتابة اليوميات عادة حسنة لا أريد الإفاضة في الكلام عنها، لكن الخواطر اللحظية لعلي أريد الإفاضة شيئًا ما في الكلام عنها. جمهورها واسع عريض، متلهفون لكل ما يلوكه "كاتبهم" المفضل، متلقّفون لكل ما يرميه إليهم من قمامة، يعاملون الشكلَ وعلامات الترقيم معاملة الزخارف والنقوش، لا اعتبار لها إلا تزويق صورة الكلام وتجميل كتابته، أما نطقها أو تأثيرها في المعاني فلا دخل لهم به لا من قريب ولا من بعيد، ساقط من نظرهم لا يلتفتون إليه. هذا الجمهور، أما ...

اليوم الخامس | ما بعد الحفلة وانخرام المبادئ

 الكتابة موجعة، لأنها تجبرك على مواجهة ذاتك، وتحليل نفسيتك، والنظر في خباياك، ومشاركة غيرك أسرارك، حتى تلك التي خبأتها عن نفسك وذاكرتك ستظهرها علانيةً، ولكنها على علاتها لذيذة إن اكتملت، تصير بها منتشيًا، ومنها متخففًا، ولها مراجعًا ومحررًا. تصوغها لوحةً فنيةً تحكي عن الرجاء والخوف، جامعة للألم واللذة، كأنها اضطراب ماء بجثة ودماء. أكتب هذه المرة مخالفًا لعاداتي كلها، خارمًا لبعض مبادئي، مجربًا أمورًا للمرة الأولى، وأخرى للمرة الثانية، لكن التي تهمنا هي الأولى. أن أكتب في هذا الصمت، لا أسمع حولي إلا نقرات الأصابع على فأرات الكمبيوتر ولوحات المفاتيح، همهةٌ أو اثتنين هنا وهناك، صوت موسيقى لا يكاد يسمع، أجواء مألوفة لما بعد الحفلة في العمل، انتهت ساعات العمل الرسمية، ولكن العمل لم ينتهِ، ولن ينتهي؛ فالعملاء وأطماعهم لا يتركون لنا نهاية أسبوع ننعم بها ولو مرة في الشهر؛ فأنت إما ستسهر ليلة جمعتك في المكتب، أو تباشر نهار الجمعة في المكتب أيضًا إن كنت سيء الحظ، أو من أي بقعة تستطيع العمل منها في هذا الكوكب المليء بالأمور الغريبة!. عمومًا ليس عن هذا حديثي، التدوين ليلًا هو محور الحديث، لكن ...

الأيام الثاني والثالث والرابع | عدم الالتزام وضعف الإرادة

قارئ هذا المكتوب الكريم أتمنى لك يومًا سعيدًا، لا أدري في أي وقت ستقرأ هذا الكلام، فللاحتياط استعملت "يوم" عوضًا عن "صباح" إذ هو الوقت الذي أكتب فيه الآن. لم ألتزم بما تعاهدت عليه مع نفسي من الانضباط الكتابي طوال السنة، فبدأت متأخرًا أولًا، وثانيًا أسقطتُ يومًا ولم أكتب فيه، وللسخرية أن أمر الكتابة هذا لم يمضِ عليه إلا ثلاثة أيام، فاعجب ما شئت من عهد ما لبث أن نُكث، أو من متعاهد لم يكد يفعل شيئًا مما عاهد عليه حتى نكث العهد؛ ومن نكث فإنما ينكث على نفسه. أحاديث العمل الجانبية لا تنقطع، توقفت عن الكتابة بعد كلمة (نفسه) لما يقارب ربع الساعة، كانت كلها للحديث عن رائعة أوسكار وايلد صورة دوريان غراي؛ لا أنفك أتذكر مقاطع كاملة بالنص أو المعنى منها، ومضات من الصور التي تخيلتها عند قرائتي، ولقطات من الصور التي شاهدتها في الفيلم، واحدة من الروايات القليلة التي أرشحها بإطلاق لكل من يسأل عن رواية بعيدة عن المعتاد؛ والآن من بعد كلمة (المعتاد) دخلنا في آخر عن ما كان زميلاتي يقرأن في مراهقتهن من روايات، وكان محور الحديث رواية بعنوان The Notebook، عن فتاة ثرية تصيّف في بلدة ساحلية ...

اليوم الأول | كان لا بد أن أكذب

لأبدأ في تدوين يومياتي، كان لزامًا أن أبدأ بالأمس، لكن حالت بيني وبين انطلاقتي أمواج من الهم والحزن، والتردد والضعف. قد لا أحكي كل شيء تفصيلًا، الآن على الأقل، لكن إن أكملت ما عزمت عليه، ستنجلي لك صور، وتتضح لك معانٍ كنت تستبعد رؤيتها. وأنا هنا لا أخاطبك عزيزي القارئ، فأنت وإن كنت تهمني ويهمني أمرك ورأيك، إلا أنك لست مقصودًا بهذا التدوين بالذات، بل بالعرض؛ فأنا الكاتب، وأنا القارئ، أنا المتكلم، وأنا المستمع، أنا الخطيب، وأنا الجمهور. لم يكن أمسي جيدًا بما يكفي لاعتباره بداية حقيقية مشرقة، كعادة البدايات؛ حقيقةً ليس من أيامي شيء مثل ما ذكرت، بل كلها يشبه بعضه بعضًا، خواء لا يملؤه شيء، وفراغ يردد صدى كل شيء إلى الأبد. الحاصل، ليس حديثي اليوم فضفضة أو نفثة مصدور، بل وصف لما جرى بالأمس. ملأت يومي كذبًا، على كل من حدثني تقريبًا، لا أستثني أحدًا، ولا أعرّض بأحد، فالكل كان ضحية كذبي، أو كنت أنا ضحية نفسي للكذب عليه. علقتُ، واستبد بي خوف رهيب، خسارة ما لو فقدته عدت عالةً بلا قيمة، ويا ويلي إن كانت قيمتي مستمدة من آلة أو غرض أو حتى شخص. وبعد مقطوعة الكذب المطولة، كذبت مرة أخرى. اليوم هو الثاني ...

محاولة الأشياء مرة أخرى/أخرأ | البدايات الكاذبة النسخة الثانية الكبرى

 كل عام يتفاجأ الناس بانتهاء عامهم وبدء آخر، كأنهم لم يعودوا يعدون الأيام عدًا، وكأن من كان غريق آلامه وأحزانه -من عد الليالي ليلة بعد ليلة- أفاق من نشوة حزنه وسكرة حبه فرأى العمر يجري ولم يلحق بأذياله. وأنا كذلك، كل عام أبدأ في عقلي أمورًا لا تحصى، ولا يأتي آخر العام، بل لا يأتي ربعه الأول وأكون قد نسيت كل ما فكرت فيه، وما أعددت له، وما صبوت إليه. وهذا طبعي لا أجادل ولا أعارض؛ لكن أن يكون العالم طبعه مثل طبعي، أو أن يسير الناس مثل سيرتي، فهذا ما لا أرتضيه، إذ كما قيل كل منا نسخة أصلية، وكل نسخة منا هي نسخة صغرى عن النسخة الكبرى وتحسب أنك جرم صغير * وفيك انطوى العالم الأكبرُ فلمَ اعتراضي إذًا/إذن؟ لا أدري. الحاصل هذه أولى محاولات التدوين اليومي، الكتابة لأجل الكتابة، حتى تقوى المهارة، وتجري الكلمات، ويصير ذهني سيالًا، ويصقل ما تراكم عليه من صدأ، ولتعود سيوره سهلة الحركة سريعة الدوران، حتى إذا بلغت من هذه الأمور مبلغًا حسنًا رجعت إلى توظيف هذا كله في مواضيع والكلام على أمور قد تهمني أو تهم غيري. أعلم أن هذه المرة التي لا أحصي عددها للبدء من جديد، لكن إن مت وأنا أحاول فحسبي إني مت مه...