الأيام من السابع عشر إلى الثاني والعشرين | نشوة وعناصر متضادة

 لا أدري لم، ولا أريد أن أدري، لكني أشعر بانتشاء غريب، سعادة مشوبة بتفاؤل ، ليست مفرطة - حمدًا لله- لكنها تفي بالغرض، كافية لقلب حالة الانكفاء على ذاتي، مرضية بعد السخط على الدنيا وما فيها من أحوال عجيبة، كأنها أمان بعد خوف، أو هي فعلًا كذلك، لا أدري.

ما زلت في إجازة، لكني أعمل في إجازتي، صحيح ليس ترسًا في الآلة المعتادة، لكني ترس في آلة تدير عجلة الرأسمالية المقيتة، ولأكتفي ذاتيًا في هذا الوقت المميز من حياة البشر على أرضنا الجميلة؛ إذ هو أكثر العصور -على الأقل فيما نعلم- انحطاطًا، على كافة الأصعدة المعلومة وغير المعلومة، المثبتة علميًا والخرافية؛ لا أريد الإطالة في تنفيس الغضب وإخراج الشتائم، لأني لا أجد لها مكانًا في هذا المكتوب، على الأقل ليس اليوم.

كانت بداية هذه الكتابة في أول اليوم السابع عشر، واليوم أكمل ما بدأته، ويعزيني -مثل كل مرة- أن أصل متأخرًا خير من أن لا أصل أبدًا.

انتهت إجازتي، اليوم عودتي للعمل، ولسان الحال يقول: Ah shit, here we go again. آسفًا أقولها، لأني أحب الكتابة، ولا يهمني إن كانت تحبني، لا في الحقيقة يهمني لكني لا أدري إن كانت كذلك أو لا. فإن كنت أحب ما أعمل فالمفترض أني أعمل ما أحب، أليس كذلك؟ فلم لا أراني على هذا الحال من المحبة والمحبوبية بيني وبين عملي؟ لم أكن أتوقع أن تحول الهواية -إن صحت تسمية الكتابة بذلك- إلى عمل أمر مقلق أو متعب، كنت أتصوره جنة، ثم اكتشفت أنه كذلك، ولكن جحيمنا يأتي من الداخل.

عجبًا المقطع السابق كئيب جدًا ولا يتسق مع العنوان ولا مطلع التدوينة! إن أحسنت التأويل سيكون، وإلا صرت رهينًا لظاهر جاف بارد لا طعم له أو لون. يا إلهي هذا أيضًا كئيب! حسنًا سأنتقل لفكرة كنت أريد التعبير عنها.

كما تعلم عزيزي القارئ -الذي هو أنا لا أنتَ- أني أقرأ في هذه الأيام الجزء الأول من ثلاثية السيرة الذاتية للدكتور زكي نجيب محمود، الذي لم أعرفه إلا فيلسوفًا أو متفلسفًا أو ناقلًا لفلسفة، لأفاجأ بقلم أدبي بديع، خفيف على قلب، ملطّف للروح، موقظ للعقل، سهل ممتنع، يجمع فيه الكثير، ذكرى تأبين، وحفل زفاف، وافتتاح مكتبة، ورقصة في ملهى مع غيداء حسناء. هذا إلى جانب الطريقة السردية 

يقول: كان مثلي الأعلى يومئذ مزيجًا من عدة عناصر، قد يسهل التقاؤها معًا وقد يصعب؛ فهو مثل أعلى فيه جانب الأستاذ الأكاديمي المتمكن من مادته، وفيه جانب الأديب صاحب الصوت المسموع والمواقف الثقافية الحاسمة، وفيه جانب الأديب المفكر المكافح الذي يدفعه الفهم العقلي إلى سكب ثقافات الأولين والآخرين -إذا استطاع- في ذات نفسه. ا.هـ

وهو بهذا الكلام كأنه يصف أنا لا مثلي الأعلى، أقصد من المزيج المكون من عدة عناصر، قد يكون التقاؤها سهلًا وقد يكون شاقًا، وفي حالتي هو شاق فقط، بل ليس ثلاثي كما في حالة الدكتور، فهو متلون يختلف باختلاف الحالات، قد يكون عنصرًا واحدًا في حال، وآلاف العناصر في أخرى، وفي مرات لا يكون هناك شيء أصلًا، فجأة يفرغ إنائي وتنشف آثار ما كان فيه من عناصر.

أشتهي أن أتكلم أكثر عن هذه العناصر، وأشرح ما فيها من تضارب وتضاد، وأحيانًا تناقض صارخ، إلا أني سألوي عنان الكلام عن هذا، ولعلي أبسطه في غير هذا اليوم، فلا أنا أنا اليوم، ولا مزاجي مزاجي، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ملاحظة تخص الكاتب: لعلك تعتمد هذا الخط في بقية الكتابات.

فيصل، تتناوبه أمور كثيرة

22 يناير 2023م

30 جمادى الآخرة 1444هـ

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بارق التجليات في ذكر شيء من نوادر المخطوطات

اليوم الأخير

أشتات عن المسلسَلات