الأيام السادس والسابع والثامن | "استمر في محاولة الحياة، مصيرها تضبط"

 أجاد من صاغ العبارة في اللغة الخفيفة وحسن النصيحة، وكفاني بها عناء نحت غيرها لتوجيهها للكتابة، فأنا ما زلت أحاول الكتابة، وأحاول، وأحاول، مرة بعد أخرى، مؤمنًا بأنها ستنضبط في يوم ما.

مرة أخرى أسقط أيامًا من جدول الكتابة، أو ألهو بعيدًا عن ممارسة ما أعتبره واجب الوقت من ناحية مهارية أو مهنية، لكني أعود في كل مرة معتذرًا لأجدد العهد، شاحذًا سيف عزيمتي، مستعدًا لمواجهة مؤرقات الكتاب، كما يسميها رومانسيو الثقافة.

وكالعادة أكتب كل ما يجول في خاطري، دون تفكير قبل الكتابة، ولا تحرير بعدها؛ (أكتب اليوميات والخواطر اللحظية) هذا ما أعلل به الأمر، فكتابة اليوميات عادة حسنة لا أريد الإفاضة في الكلام عنها، لكن الخواطر اللحظية لعلي أريد الإفاضة شيئًا ما في الكلام عنها.

جمهورها واسع عريض، متلهفون لكل ما يلوكه "كاتبهم" المفضل، متلقّفون لكل ما يرميه إليهم من قمامة، يعاملون الشكلَ وعلامات الترقيم معاملة الزخارف والنقوش، لا اعتبار لها إلا تزويق صورة الكلام وتجميل كتابته، أما نطقها أو تأثيرها في المعاني فلا دخل لهم به لا من قريب ولا من بعيد، ساقط من نظرهم لا يلتفتون إليه.

هذا الجمهور، أما "الكتّاب" فهم والله قاصمة الظهور والقوم البور، لا اشتراك بينهم وبين الكتّاب إلا فك الخط، خواء من المعنى وحسن اللفظ، طالعهم نحس... حسنًا إن كنتَ قرأت التدوينة السابقة لرأيت شيئًا جديدًا في كتابتي، وهو ذكر الفواصل التي حصلت فقطعت عملية الكتابة، وإليك ما حصل:

بدأت الكتابة اليوم في العاشرة والنصف، وأعود إليها الآن والساعة تشير إلى الواحدة ظهرًا وخمس دقائق، ثلاث ساعات ونصفتقريبًا، قضيتها موزعةً بين أحاديث جانبية، شملت الغيبة وتداول آخر الشائعات في المكتب والبدء في نسج أخرى تليق بالأحداث الجديدة، ثم تناولت طعام الإفطار، وشربت قهوة اليوم، إلى جانب حديث عابر مع المدير الأكبر، أبدى فيه إعجابه بمزاجي اليوم وحالتي الذهنية، ووشاحي الخمري، والتقط لي صورة أيضًا!

قرأت أيضًا في (لماذا نكتب؟) لـ ميريدث ماران، مجموعة لقاءات مع عشرين كاتبًا، يُسألون فيها عن الكتابة وبداياتهم معها، وأهم ما واجهوه خلال رحلتهم وما يواجهونه الآن خلال سنوات مجدهم أو بعدها، وما هو طعم مجد الكاتب، وأفضل النصائح التي يسدونها للكتاب الجدد والمبتدئين، وحتى هواة الكتابة.

وللمرة الأولى أحدد أسطرًا في الكتاب، من لقاء كاتبة الغموض سو غرافتون، كانت عن عادتها الغريبة من تدوين مذكرات خاصة لكل مشروع كتابي تعمل عليه، تصف فيه حالتها النفسية، وما يواجهها من مصاعب، وتفكر، وتسأل نفسها، وتسرد الأحداث، وتكتشف أحداثًا واحتمالات جديدة د تطرأ على الصة، ونهايات مسدودة لا ينبغي سلوك طريقها، عالم موازٍ تعيش فيه غموض واقع كتابة الغموض، وتجيب عن أسئلته محاولةً جهدها.

هذا ما حصل اليوم، حتى الآن على الأقل والساعة تشير إلى الواحدة ظهرًا وواحد وعشرين دقيقةً، اختبار جيد لمن أراد حساب سرعتي في الكتابة اليوم.

أمسي كان صاخبًا مزعجًا، غضبتُ وشتمتُ فيه كثيرًا، وتمنيت فيه أمورًا لا أجرؤ على حكايتها لأي شخص، لكن الأمس انتهى، ونحن هنا اليوم، يوم جديد، بفرصه الجديدة، وأمنياته السعيدة، بداية ثانية للسنة الجديدة، قد يستأنف فيها الإنسان ما بدأه في سنته ثم قطعه عنها هراء أخطأ الإنسان بالالتفات إليه وإعطائه أكبر من حجمه.

وقبله كنت أريد أن أكتب للمرة الأولى في عطلة نهاية الأسبوع الرسمية، يوم الجمعة، لكني لم أفعل، لانشغالي ببعض الأمور المهمة في نهاره، وعشاء أخوالي الأسبوعي في مسائه؛ قلينا السمك في أجواء عائلية دافئة وطقس يومي لطيف جيد مليء بالنسمات المحببة.

سأتوقف الآن عن الكتابة، أرجو أن يستمر يومي على جودته هذه أو أن يزيد، ولا أتمنى أن تنقص أبدًا، ساعدني يا ربي.

فيصل، يبدأ من جديد

16 جمادى الآخرة 1444هـ

8 يناير 2023م


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بارق التجليات في ذكر شيء من نوادر المخطوطات

اليوم الأخير

أشتات عن المسلسَلات