اليومان العاشر والحادي عشر | ضائع ينشد مستقبله

 إن كان لنا وصف الإنسان بغير الأوصاف المعتادة من المستخلف في الأرض، أو الحيوان الناطق، أو الكائن المتسائل، فإننا لن نجد مثل وصفه بالفضول و(اللقافة).

يقضي عمره لينجو إلى مستقبله، لكنه لا يمضي لحظة منه حيًا فيه، مستمتعًا به، شاعرًا بتفاصيله. خيوط العمر تنسل خيطًا خيطًا من نسيجه، رمال ساعته تتسلل من بين يديه كالماء، يقبض محاولًا المرة تلو الأخرى، لكنه لا يرجع بشيء.

يتوهم ما أنفقه من العمر هو الحياة، بعيدًا عن المعاني، قريبًا من المحسوسات، زارعًا نفسه في غابات الإسمنت، تاركًا جنة بيته بلا جذوره فيها، يمر عابرًا على أهله، كالهواء، لكنه مثقِل مثقَل، هواء مشبع بالرطوبة، خانق، لا يدخل في صدرك إلا ليزعجك ويثقله.

ثم إذا توقف مرة أو اثنتين في هذه الرحلة المكروبة، فإنه يتوقف ليسأل عن المستقبل من لا يعرف شيئا، لكنه يتحرق شوقًا للاطلاع على غيبه، فتجده عند قارئي الأشياء، كف أو فنجان، أو إن شئت بطاقات وأوراق، لا يهم؛ المهم أن تؤمن ولا تجرّب، فيسوع على الجبل عندما امتحنه الشيطان قال له (لا تجرب الرب إلهك)؛ فإن أردت وضوح الرؤية، وكمال الانكشاف، فأغرق قلبك إيمانًا، وافتح عينيك تلهفًا وتطلعًا؛ وعند اكتمال مراسيم القراءة ومعرفة الغيب، يجد كلامًا -إن كان واعيًا لما يسمع- مكررًا، خاويًا، لا معنى له، ولا طعم، ولا لون، ولا رائحة، يدور حول صعوبات الله أعلم بحقيقتها، وعن نجاحات قد تتأخر، ربما يعرقلها الأشرار في قصتك، أو لعل قصتك هي عدوك، لا أدري فالأمر سيان، لك أعداء لا تريد نجاحك، ولك أصحاب تداوي جراحك، فانظر في حالك، بل انظر في حال الخلق أجمعين، فكلهم هذا الإنسان، ولم يدر المسكين أنه عائد بخفي حنين إلى مكانه في الغابة الإسمنتية، بعد أن خدر نفسه وروحه بجرعة مزيفة من الروحانية والتواصل مع أطراف العالم الأخرى.
*هذا المكتوب خيالي ولا يمت للواقع بصلة؛ أي تشابه بين النص والواقع فهو نتاج الصدفة المحضة.
**لابد أن أتوقف عن هذه الانقطاعات غير المبررة إلا بسوء الخصال والطباع، وتغلب الهوى على العقل، واستحكام ملك النفس ورغباتها.

فيصل، تحيره أمور

19 جمادى الآخرة 1444هـ

11 يناير 2023م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بارق التجليات في ذكر شيء من نوادر المخطوطات

اليوم الأخير

أشتات عن المسلسَلات