الأيام من الثاني عشر إلى السادس عشر| فراغ وإجازة ومرآة ودروب
أشعر بفراغ في رأسي، ثقب لا يمتلئ أبدًا مهما ردمته، بئر لا قاع لها، حتى إن ألقيت فيها ثقلًا معدنيًا لن تنقطع قرقعته في رأسك أبدًا، تتحول القرقعة أحيانًا لما يشبه صوت الجرس، أو أنني صرت أتوهم هذا لطول المدة التي عشت فيها مع هذه الأصوات.
لكن يخبئ القدر للإنسان في كل يوم عجائب، وعجائبه كلما خفي ظهورها قوي أثرها، ولا يدرك العلاقة بينهما إلا بعد مدة طويلة، غالبًا ما تكون بعد سخط وغضب، واعتراض على ما لا مفر منه، ثم في لحظة غالبًا ما تكون غير متوقعة، يجد الإنسان نفسه غارقًا في تفاصيل ذكرياته، تظهر بعضها بوضوح أكبر، تفاصيل لم يلق بالًا لها قبلًا، لكنه الآن يدرك عجائبها، وسيبقى حيران لا يدري كيف غابت عليه هذه الأشياء كل هذا الوقت.
هذا هو الإنسان، وهذا طبعه، والطبع يغلب التطبع، فحتى إن كان الإنسان مستصحبًا لهذا المعنى -خفاء عجائب القدر- يحصل أن تغيب عنه كل هذه المعاني، فلا يصل منها إلى عقله الواعي شيء أبدًا، حتى إذا زالت غشاوة الطبع، وانقضت مراحل التأمل والتذكر، عاد رسوخ المعاني أقوى، واستصحابها أظهر.
أقول هذا مقدمةً لخبر صادم، استيقظت اليوم بسبب توقف الأجراس لثانيتين أو ثلاث، استيقظت مندهشًا مشدوهًا، لا أصدق أنها توقفت، لم أعد أعدّ الأيام التي تمر عليَّ وأنا أسمعها، لا أذكر متى بدأت، كأنها دائمًا كانت هناك، أجراس ُتقرع في رأسي ليل نهار، صرت برج كنيسة، أو فنار، أو أداة على طاولة مطعم، لكن اليوم ولأول مرة منذ أن بدأت هذه الحفلة أنا إنسان مرة أخرى لمدة ثوانٍ.
هذا آخر ما كتبته في الثاني عشر من يناير قبل أن أنقطع عن الكتابة في المدونة لأسباب كثيرة؛ أنا في إجازة الآن، بعيد عن العمل، وشخوصه، وكل ما يثقل كاهلي من الأشياء.
كانت أيامًا مليئة بالأحداث، رأيت مرآةً لا مثيل لها، وأضعت ملامحي على صفحتها، فما عدت أدري أيهما وجهي؟ مصقولة بعناية، لا صدأ فيها ولا خدوش، أصفى من الماء وأخف من الهواء، تكاد تشك في تحققها جوهرًا! إنها أسطورة تحققت واقعًا، وإني أرجو دوامها في واقعي، فما أظنني قادر على رؤيتي في غيرها.
وسارت تحت قدميّ سبل لا أنيس فيها، اضطررت أن أقطع مسافاتها وحدي، ولا مشكلة عندي في هذا، لكن المرآة حذرتني، وأخافتني عليَّ، وخافت هي كذلك عليَّ، فأعادتني من حيث أتيت، جنينًا في رحم صومعتي أو محرابها، أيهما تريد فهو الحق.
كلامي قليل هذه المرة، رغم امتلاء صدري بالمعاني، وتزاحم التعابير على أطراف أصابعي ولساني، لكني سألوي عنان الكلم هذه التدوينة، ولعل الإسهاب يكون في قادم الأيام.
فيصل، تشغله الإجازة والمرآة عن كل شيء
16 يناير 2023م
24 جمادى الآخرة 1444هـ
تعليقات
إرسال تعليق