المشاركات

عرض المشاركات من يوليو, 2023

الأيام من الثامن والثمانين إلى الرابع والتسعين بعد المائة | جوابات أسئلة | تذكرة كاتب

سعي المرء إلى الكمال لا يتوقف إلا بالتوقف عن كونه إنسانًا، من لحظاته الأولى -مدركًا أو غير مدرك- يجد نفسه يصارع أشياء كثيرة، تتوالد كلها منه، لتخرج عليه، وتنهش فيه، فما بالك لو كان كاتبًا؟ هيهات أن يرضيه شيء منه، وهذا أيضًا شأن لا يخرج منه الإنسان إلا بترك إنسانيته، أو تغوّل أناه على نفسه لتنتهي الأخيرة ضحية الأولى، فيصير ما يخرج منها مرضيًا عنه، كاملًا لا شائبة نقص فيه. حجر عثرة صغير، يتضخم ليسحق كل ما تدحرج عليه مما توقف في طريقه من نواقص النفس، أو شبح يسعى للتلبس بالإنسان ليذيقه ويلات نقصه، أو صوت يجده في رأسه يصرخ بلا توقف بمعايب ما كان منه وإن لم تكن هنا أصلًا، لكنه هناك دائمًا. قالوا: إلا الحماقة أعيت من يداويها، وأنا أقول: إلا الكمال أعيا من يداويه. فهو ما يبقي المرء عاملًا على ما بين يديه، وهو ما يدفعه إلى الإنجاز، ليحصل شيئًا من كمالات نفسه أو كمالات أشيائه، لكن ما إن يطغى ويستفحل، تخرج الأمور من الحركة إلى السكون، ومن الإنجاز إلى الإخلاد إلى الأرض، ومن العمل إلى التبطل والكسل، متعللًا أو متخوفًا مما سيخرج. لا أزعم أني تركتها أو انسلخت عنها، فأنا أنتزعها عن عينيّ انتزاعًا في ك...

الأيام من الثالث والثمانين إلى السابع والثمانين بعد المائة | الانفتاح على الحياة | تذكرة كاتب

 هذه آخر أيام الأحزان، زعموا. ثالث أيام العزاء لم يأخذ معه ما استقر في قلبي من ألم وحزن منذ أن خرجت آخر الأنفاس من مستودَعها بين يدي، ولا ما ركب كتفيّ من هم وثقل لمّا أسلمنا البدن لظلمة باطن الأرض وبردها ورطوبتها، ليتعفن أو لا يفعل حتى يأتي ما يزعجه من رقدته، انقطعت عن كل شيء، حتى عني، مرور الليالي والأيام لا يجدد ما تحت السماء، دوامة ابتلعتني، أو لعنة أصابتني، لا أرى فيها إلا درجات السواد الممتدة تفتحًا إلى لون الرماد. عام انصرم من عمري، مليء بالفراغ والخواء، تسمع فيه ما حولك، وما فيك، وما بعد عنك إلى سابع جار، ولو رميت إبرة بعد الثامن لسمعت رنينها يملأ رأسك ضجيجًا. حتى الملامح اختفت من وجوه حامليها، ولم تعد المشاعر تجد طريقًا إلى الظهور على القسمات. شيئًا فشيئًا، بدأت زهور الأرض وآفاق السماء تظهر ألوانها، وأصوات محيطي تتناهى لسمعي، بدأت أفهم الكلام، وأعي المعاني، وأنفعل لها ومنها وبها، عادت الضحكات أخيرًا، وتبعتها ملامح الوجوه، واستغرق ظهور المشاعر عليها وقتًا أطول من غيره، ففجعي أعماني. لا يذكر المرء متى كانت الدنيا زاهية الألوان إن كان يرى سوادها، ولا يذكر بعد أن تعود ملونة متى...

الأيام من الرابع والسبعين إلى الثاني والثمانين بعد المائة | آثار استنشاق فساء النمل

الظلام يحجبك عن رؤية أي شيء في هذه السراديب الرطبة التي ضعت فيها منذ أيام، بعد أن انطفأت آخر شمعة. متاهة لا تنتهي من من الممرات الخانقة، تضيق الجدران أحيانًا لتدفعك إلى المشي كالسلطعون، وأحيانًا ينزل السقف لتمشي تحتها حبوًا، أو زحفًا. متاهة لا أذكر كيف ابتلعتني، ولا لم أنا فيها أصلًا! فكل ما أذكره هو تجديفي في نهر أفكار يجري بصمت، يبدو هادرًا لكنه هادئ جدًا، منظره لا يطابق صمته. ثقوب سوداء تبتلع ثقوبًا سوداء في دورة لا تنتهي من الثقوب والابتلاع، ظاهرة كونية لا يشهدها من البشر إلا القليل النادر من تعيسي الحظوظ، فهي على ما تحدثه من انبهار ودهشة في النفوس؛ شريرة تكلف الكثير، ولا تترك ضحيتها إلا بأضحية تقضم من عمره أو صحته أو عقله أو قدره أو أي شيء آخر يعجبها وتطلبه غزالتها. للحظة تمنيت أن أشهد هذه الظاهرة، لكني سرعان ما نفضتها عني، وطردتها مني، فتعاسة حظي تكفيني، ولا طاقة لي بالأضاحي الفخمة، لكن هيهات أن تخيب أمنية وافقت لحظة إجابة.  رأيت فيها نسخًا كثيرةً مني، رأيتني رضيعًا وطفلًا وصبيًا وشابًا ورجلًا وكهلًا وشيخًا وكل ما بينهم وقبلهم وبعدهم، رأيتني بكل الاحتمالات، ولا تسأل عن عدد ال...

اليومان الثاني والسبعون والثالث والسبعون بعد المائة | التبكير عدوّك

 لا تبتسم الأيام في كل ظهور لها، وقد يبتسم اليوم الواحد لأشخاص ويعبس لآخرين، كل بحسب ما قدم لنفسه في ما مضى، فاليوم هو ثمرة الأمس، فنحن في المستقبل المتخيل الذي توهمناه في الماضي، وعلقنا عليه الآمال، وربطنا به المصائر، وكل شيء عسر علينا أو ثقل أو تكاسلنا عنه أو انشغلنا أو لم نعطه وقتًا كافيًا أو إرضاءً لضمير ربما مات منذ سنين قلنا بملء فمنا وبيقين لا يخالطه شك (بكرة). (بكرة) كلمة السر لكل طامح كذوب، مفتاح كل ألاعيب التسويف، بداية نهاية الأمجاد، أول أحجار الضومنة سقوطًا، ورفة جناح الفراشة التي ستخلق إعصارًا يلتهم كل ما في طريقه. وأنا من منبري المتهالك هذا أبدي رأيي الذي لا يُعتد به في أي محفل دولي، مقترحًا على مجامع اللغة العربية إضافة معنى الإرجاء والتأخير إلى كلمة التبكير، على غرار التسويف. وهأنذا أستعملها بالمعنى المقترح في مثال: (مبكرًا لكل الأمور المهمة في حياتي، استيقظت اليوم على أمور فاجأتني كمًّا وكيفًا. لم أكن أعلم بقدر المبَكَّرات التي بكّرتها خلال الأسبوع، الأمر الذي حداني للتوقف عن عادة التبكير السيئة). أقوى ما يصد المرء عن غايته، وأثقل ما يجره إلى قاع الهمل المزدحم، وأش...

اليوم الحادي والسبعون بعد المائة | تكرر المعاناة

 السهل الممتنع، مطمع كل طامح عاقل من أرباب الحرْف وصناعة الكلام، وتقييده بالعاقل إخراجًا للظانين أن التشدق والتقعر والتعقيد والإغراب والإغماض أعلى ما يصبو إليه حاملو اليراعات وضاربو لوحات المفاتيح، وأن علامة الجودة والفصاحة والبلاغة عدم فهم السامع أو القارئ شيئًا من الكلام. للأسف ليس هذا مقصورًا على الممارسين، ففطرة الجماهير انقبلت، وصاروا لا يطربون إلا لما لا يفهمون، ولا يقيمون وزنًا إلا للغامض المبهم، لظنهم أن كل ما لا معنى له ظاهر -واعتقادي أنه كذلك في الباطن- فهو رمز وإشارة، لا يعقلها إلا العالمون. فهم كما قلتُ سابقًا* ينفقون أوقاتهم -وإن قليلًا- في حل الرموز، واستخراج الكنوز، يفرطون في إطراء ملامسة المعاني لقشور الأدمغة وشُغُف القلوب. ويبقى الممارس بين سندان الفصاحة ومطرقة التطريب، هذه تثبت وتلك تضرب، والمسكين يصير في خبرَ كان. ولأن الإنسان لا يفتأ يعيد نفسه ويظن أنه ربما لن تتكرر المعاناة هذه المرة، وسيجني التمر من الحنظل، أو التفاح من السفرجل، يقع في المأزق كل مرة ولا يتوب، فمجد الكاتب -زعموا- احتشاد الناس على بابه، واعتكاف العذارى على أعتابه، وبلوغ طبعات الكتاب المئين في بض...

اليوم السبعون بعد المائة |

كل من سار في طريق، أو بدأ رحلة، أو أراد أن، لا بد له -ولو مرة واحدة، راضيًا أو كارهًا- من تغيير طريقه إلى وجهته، أو تغيير الوجهة من الأساس. لا يعيبه هذا ولا ينقص من شأنه، بل هو في أحيان كثيرة ضرورة لا محيد عنها، والذي يلوم أو يستغرب فاعلم أنه ما برح مكانه، ولم يرحل عنها قط طالبًا أو عابثًا أو متنزهًا، وليس هذا يعيب الماكث ولا ينقص من شأنه. فالكل في الحقيقة سائر مرغمًا في رحلة الحياة، وحتى ذاك الذي يتوهم أنه اختار نهايته، هو أيضًا سائر مرغمًا إلى الحتف الذي يتوهم اختياره. رحلة كونية، تجمع كل الرحلات، وتصهرها في بوتقة واحدة. اخترعنا عالمًا معقدًا، كل ما فيه مفصل منفصل، يسعى لوحدة تضمه، يذوب في عناصرها، ويغيب فيها عن كل شيء، وحتى عن نفسه، وأخيرًا يغيب عن غيابه. أما لو أعدنا الموازين إلى نصابها، وأرجعنا البصر في اختراعنا، لوجدناه تكليفًا للنفس بما لا يطاق ولا يحتمل، وأنه شؤم على من يعيش تحت ظله عما قريب يذوق ويلاته عند نزوله -يعني الشؤم- مع أفراد عائلته من مصيبات وتجديفات وشطحات. وإن تهلل في وجوهنا الزمان، وكان من قدرنا أن أرجعنا البصر كرتين، رأينا المفصل مجملًا، والمنفصل متصلًا، والكل واح...

اليوم التاسع والستون بعد المائة | اختبار

ظلمة تصارعها شموع مرتعشة في أجواء كئيبة تخنقك برائحة كريهة تملأ مسرحًا على خشباته المهترئة أرتجل كل يوم، لا مُخرج ولا نص ولا جمهور، أقف هناك وحيدًا أرتجل. محاكاة رديئة مستعجلة لأسلوب شخص ما، إن عرفته يا عزيزي القارئ فلا حاجة للتصريح باسمه، وإن لم تعرفه فلا عتب عليك، لأن الرداءة غطت كل شيء "من ألفه إلى يائه". كيف نحدد أن فلانًا من الناس له أسلوبه الخاص؟ ما المعيار في إثبات حكم الخصوصية أو التفرد أو التقليد أو المحاكاة؟ والحال خلو النثر من الوزن والقافية، المؤدي لعسر المعارضة. وكيف عُرف الكاتبون بأسماء مستعارة؟ بمقارنة الأساليب؟ ماذا لو غير طريقته؟ هل بإمكان الكاتب تغيير أسلوبه بعد استقلاله بواحد؟ حشو ملأت به فراغ الارتجال. في الماضي كنت أحشو عند ارتتاج الكلام بالـ "فزلكة"، والتقعر، والتعقيد، وإدخال مسائل بعض الفنون العقلية إغرابًا في الكلام، واستعراضًا بلا شيء أمام جمهور فرقته يد الأقدار، بعد أن كانت ليالي وصالنا طويلة الذيل، "وإن أعادوا لنا الأماكن، فمن يعيد لنا الرفاق؟". مثلًا: ولا أعلم حقيقة ما يختلج في روعي، ويغشى خواطري، مع تسليمي بأن حقائق الأشياء ثاب...

الأيام من الخامس والستين إلى الثامن والستين بعد المائة | اعتراف... ربما

 ثلاثة أو أربعة مطالع أوحيت لي في منامي، كل واحد منها أبدع من أخيه، يتنافسون في الكمال، مطالع تسير بالقارئ إلى نهاية المكتوب بدون شعوره انغماسًا وغرقًا في جمال ما يحصل في ذهنه من صور ومعانٍ لألفاظ شهية سلسة جزلة تطرب لها الأرواح، تواجدت في نومي فرحًا بوحيي فاستيقظت من الحركة، وسرعان ما تبخرت المطالع أمام عيني حرفًا حرفًا، أمسكت كناشي بغية تقييدها قبل شرودها، لكن تزامن اختفاء آخر الحروف مع تسلط القلم على الورقة، اختفى كل شيء. لحسن ظني بالقادم عدت إلى نومي مطمئن البال غير نادم على ما فاتني، فـ "لو كان خيرًا لبقي"، لكنه لم يبقَ، إذن فهو شر أو خير ليس من نصيبي والحمد لله على إبعاده.  "لا نعرف الكمال إلا بالنقص، ولا الخير إلا بالشر، ولولا اختلاف التقديرات واختلال المقادير لما استقر سلام على وجه البسيطة، وكذلك كتاباتي. أنانية مفرطة، أو جنون عظمة، أو تبختر واختيال، تتحرك بها بنت كبير الخدم في أرجاء القصر، آمرة ناهية مصوّبة مقيّمة، فموعد الاحتفال اقترب، واقتران الأقمار مهرجان لا تجوز فيه الأخطاء منذ أن سنه سلطان السلاطين وقاهر الغزاة والمعادين بابا أحسن الفأل بن عالمَشاه القرنفل...