الأيام من الثالث والثمانين إلى السابع والثمانين بعد المائة | الانفتاح على الحياة | تذكرة كاتب
هذه آخر أيام الأحزان، زعموا. ثالث أيام العزاء لم يأخذ معه ما استقر في قلبي من ألم وحزن منذ أن خرجت آخر الأنفاس من مستودَعها بين يدي، ولا ما ركب كتفيّ من هم وثقل لمّا أسلمنا البدن لظلمة باطن الأرض وبردها ورطوبتها، ليتعفن أو لا يفعل حتى يأتي ما يزعجه من رقدته،
انقطعت عن كل شيء، حتى عني، مرور الليالي والأيام لا يجدد ما تحت السماء، دوامة ابتلعتني، أو لعنة أصابتني، لا أرى فيها إلا درجات السواد الممتدة تفتحًا إلى لون الرماد.
عام انصرم من عمري، مليء بالفراغ والخواء، تسمع فيه ما حولك، وما فيك، وما بعد عنك إلى سابع جار، ولو رميت إبرة بعد الثامن لسمعت رنينها يملأ رأسك ضجيجًا.
حتى الملامح اختفت من وجوه حامليها، ولم تعد المشاعر تجد طريقًا إلى الظهور على القسمات.
شيئًا فشيئًا، بدأت زهور الأرض وآفاق السماء تظهر ألوانها، وأصوات محيطي تتناهى لسمعي، بدأت أفهم الكلام، وأعي المعاني، وأنفعل لها ومنها وبها، عادت الضحكات أخيرًا، وتبعتها ملامح الوجوه، واستغرق ظهور المشاعر عليها وقتًا أطول من غيره، ففجعي أعماني.
لا يذكر المرء متى كانت الدنيا زاهية الألوان إن كان يرى سوادها، ولا يذكر بعد أن تعود ملونة متى كانت سوداء كئيبة.
لكني أقول: إن المرء لا يخرج من دواماته وعذاباته إلا بدوامات أو عذابات أخرى أو إلى دوامات أو عذابات أخرى. وبحسب ما تسعفني ذاكرتي لاستحضار جُمَل ما حصل للخروج، فإني أذكر أني بعد انقضاء العزاء بأسبوع أو اثنين، لمّا كنت عائدًا مما يفترض أنه اجتماع عائلي لننسى الحزن، نشاطه الرئيس تذكر الذين فارقونا ونريد أن ننسى حزننا عليهم، مررت بمقبرة العائلة، وبعد السلام والكلام والصمت، خرجت منها بلا غاية ولا هدف، لأقف أخيرًا متأملًا خيرات المطابع وكنوز الفكر عبر زجاج المكتبة المجاورة ولعاب معرفتي يسيل، فلا نعيم يضاهي التجول في حقول العقول، ولا أعرف دوامة تبتلع الأحياء وأشباههم مثلها، فهي لا ترد أحدًا، ولا تترك إلا من لا يريدها، حتى الحيران والعاجز لا يعدم فيها جولةً.
وجدت في ظلال الشخوص الباهتة التي ابتعلتني تعزية، وعبر متاهات التاريخ وسراديب المؤامرات وصلتُ إليَّ، لأن من رأى مصاب الغير هان عليه مصابه، وإن كان الغير وهمًا أو خيالًا، فتمثيل السوء بالنفس تفكّرًا واتعاظًا يوشك أن ينجو بصاحبه من البلايا حين نزولها.
فيصل، يكتب عن التجاوز و"الانفتاح" على الحياة
5 محرم 1445هـ
23 يوليو 2023م
تعليقات
إرسال تعليق