الأيام من الرابع والسبعين إلى الثاني والثمانين بعد المائة | آثار استنشاق فساء النمل
الظلام يحجبك عن رؤية أي شيء في هذه السراديب الرطبة التي ضعت فيها منذ أيام، بعد أن انطفأت آخر شمعة. متاهة لا تنتهي من من الممرات الخانقة، تضيق الجدران أحيانًا لتدفعك إلى المشي كالسلطعون، وأحيانًا ينزل السقف لتمشي تحتها حبوًا، أو زحفًا. متاهة لا أذكر كيف ابتلعتني، ولا لم أنا فيها أصلًا! فكل ما أذكره هو تجديفي في نهر أفكار يجري بصمت، يبدو هادرًا لكنه هادئ جدًا، منظره لا يطابق صمته.
ثقوب سوداء تبتلع ثقوبًا سوداء في دورة لا تنتهي من الثقوب والابتلاع، ظاهرة كونية لا يشهدها من البشر إلا القليل النادر من تعيسي الحظوظ، فهي على ما تحدثه من انبهار ودهشة في النفوس؛ شريرة تكلف الكثير، ولا تترك ضحيتها إلا بأضحية تقضم من عمره أو صحته أو عقله أو قدره أو أي شيء آخر يعجبها وتطلبه غزالتها.
للحظة تمنيت أن أشهد هذه الظاهرة، لكني سرعان ما نفضتها عني، وطردتها مني، فتعاسة حظي تكفيني، ولا طاقة لي بالأضاحي الفخمة، لكن هيهات أن تخيب أمنية وافقت لحظة إجابة.
للحظة تمنيت أن أشهد هذه الظاهرة، لكني سرعان ما نفضتها عني، وطردتها مني، فتعاسة حظي تكفيني، ولا طاقة لي بالأضاحي الفخمة، لكن هيهات أن تخيب أمنية وافقت لحظة إجابة.
رأيت فيها نسخًا كثيرةً مني، رأيتني رضيعًا وطفلًا وصبيًا وشابًا ورجلًا وكهلًا وشيخًا وكل ما بينهم وقبلهم وبعدهم، رأيتني بكل الاحتمالات، ولا تسأل عن عدد النسخ والاحتمالات التي لم أعرفني فيها لما رأيتها، وعن التي تمنيت عيشها وكونها، وأخيرًا خرجت وأنا أقول: يا ليتني لم أكن.
كلي أمل بالخروج قريبًا من هنا، محفزات التفاؤل -وهي قليلة في الحياة العيادية وظروفها فكيف بها في الوقت الراهن؟- تتزايد لحظة بعد لحظة، ولا أدري لعلها ألعوبة يلهو بها عقلي معي خشيةً أن ألهو به إن طال عليّ وقت حبسي في هذه المتاهة، التي بدأت أظنها سجنًا، وأن اللغز لا حل له، وأنها بعض أضحية مشاهدة الثقوب والابتلاعات. أو أن أعجّل بنا إلى الحتف بعد نفاد الصبر وطفح الكيل.
فيصل، لم يتغير قلمه منذ 2017م
30 ذو الحجة 1444هـ
18 يوليو 2023م
تعليقات
إرسال تعليق