اليومان الثاني والسبعون والثالث والسبعون بعد المائة | التبكير عدوّك
لا تبتسم الأيام في كل ظهور لها، وقد يبتسم اليوم الواحد لأشخاص ويعبس لآخرين، كل بحسب ما قدم لنفسه في ما مضى، فاليوم هو ثمرة الأمس، فنحن في المستقبل المتخيل الذي توهمناه في الماضي، وعلقنا عليه الآمال، وربطنا به المصائر، وكل شيء عسر علينا أو ثقل أو تكاسلنا عنه أو انشغلنا أو لم نعطه وقتًا كافيًا أو إرضاءً لضمير ربما مات منذ سنين قلنا بملء فمنا وبيقين لا يخالطه شك (بكرة).
(بكرة) كلمة السر لكل طامح كذوب، مفتاح كل ألاعيب التسويف، بداية نهاية الأمجاد، أول أحجار الضومنة سقوطًا، ورفة جناح الفراشة التي ستخلق إعصارًا يلتهم كل ما في طريقه. وأنا من منبري المتهالك هذا أبدي رأيي الذي لا يُعتد به في أي محفل دولي، مقترحًا على مجامع اللغة العربية إضافة معنى الإرجاء والتأخير إلى كلمة التبكير، على غرار التسويف. وهأنذا أستعملها بالمعنى المقترح في مثال:
(مبكرًا لكل الأمور المهمة في حياتي، استيقظت اليوم على أمور فاجأتني كمًّا وكيفًا. لم أكن أعلم بقدر المبَكَّرات التي بكّرتها خلال الأسبوع، الأمر الذي حداني للتوقف عن عادة التبكير السيئة).
أقوى ما يصد المرء عن غايته، وأثقل ما يجره إلى قاع الهمل المزدحم، وأشد ما يصارعه في طريق تحقيق أي شيء يريده وإن كان قلي البطاطس وجبةً خفيفة، والطريق الأقصر والأخصر إلى التبكير هو ألا يعرف المرء ما يريد، وأن يعي فجأة أنه كان يسير -أو مسوقًا- بإرادة غيره إلى مراد غيره، لابسًا ما ليس له، سواء واسعًا مهلهلًا أو ضيقًا لا يُخلع إلا كما يُنزع السفّود من الصوف المبلول.
فاعلم ما تريد، واعمل لتحقيقه، متكلًا لا متواكلًا، آخذًا نفسك باللين تارة وبالشدة تارات، فـ
النفس كالطفل إن تهمله شب على
حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
ولتكن شدتك عليها رحمةً بها، لا انتقامًا ولا تعذيبًا، فهي الراحلة والراكب والزاد والطريق والغاية، ومن عرف نفسه...
وتحسب أنك جرم صغير
وفيك انطوى العالم الأكبر
فيصل، واعظ يعظ نفسه من خلال الموعوظين
21 ذو الحجة 1444هـ
9 يوليو 2023م
تعليقات
إرسال تعليق