الأيام من الثامن والثمانين إلى الرابع والتسعين بعد المائة | جوابات أسئلة | تذكرة كاتب

سعي المرء إلى الكمال لا يتوقف إلا بالتوقف عن كونه إنسانًا، من لحظاته الأولى -مدركًا أو غير مدرك- يجد نفسه يصارع أشياء كثيرة، تتوالد كلها منه، لتخرج عليه، وتنهش فيه، فما بالك لو كان كاتبًا؟

هيهات أن يرضيه شيء منه، وهذا أيضًا شأن لا يخرج منه الإنسان إلا بترك إنسانيته، أو تغوّل أناه على نفسه لتنتهي الأخيرة ضحية الأولى، فيصير ما يخرج منها مرضيًا عنه، كاملًا لا شائبة نقص فيه.

حجر عثرة صغير، يتضخم ليسحق كل ما تدحرج عليه مما توقف في طريقه من نواقص النفس، أو شبح يسعى للتلبس بالإنسان ليذيقه ويلات نقصه، أو صوت يجده في رأسه يصرخ بلا توقف بمعايب ما كان منه وإن لم تكن هنا أصلًا، لكنه هناك دائمًا.

قالوا: إلا الحماقة أعيت من يداويها، وأنا أقول: إلا الكمال أعيا من يداويه. فهو ما يبقي المرء عاملًا على ما بين يديه، وهو ما يدفعه إلى الإنجاز، ليحصل شيئًا من كمالات نفسه أو كمالات أشيائه، لكن ما إن يطغى ويستفحل، تخرج الأمور من الحركة إلى السكون، ومن الإنجاز إلى الإخلاد إلى الأرض، ومن العمل إلى التبطل والكسل، متعللًا أو متخوفًا مما سيخرج.

لا أزعم أني تركتها أو انسلخت عنها، فأنا أنتزعها عن عينيّ انتزاعًا في كل مرة أجلس فيها لأكتب، لأرى الأشياء على ما هي عليه في نفس الأمر، وأقتنع منها بالجيد بما يكفي، فالكمال مطلب عسير تتقاصر دونه الهمم، وتنسحق في الوصول إليه الأمم، فالكرة راجعة على الساعي إليه لا محالة.

لكني أزعم أني قنوع بهذا القليل الجيد بما يكفي، فمن ذا الذي صفا له شِرب في الحياة؟ ولو أنفق الكاتب على مكتوبه عمره كله لما وجد فيه الكفاية ليخرجه بالصورة الكاملة التي يريد أن يكون عليها ليفاخر به أصحاب اليراع والمداد، فهو مهما قلب فيه نظره سيجد فيه كل مرة خللًا لا بد من إصلاحه، أو ركاكة لا بد من تعضيدها، أو عقدة لا بد من حلها.

الجيد بما يكفي هو الحل، فهو الباقي، وهو المرضي عنه، وهو الذي سيجد طريقه بين الناس إن عرف الكاتب ألا سبيل لما يطلب.


فيصل، يكتب عما يُراد له

11 محرم 1445هـ

29 يوليو 2023م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بارق التجليات في ذكر شيء من نوادر المخطوطات

اليوم الأخير

أشتات عن المسلسَلات