اليوم الحادي والسبعون بعد المائة | تكرر المعاناة
السهل الممتنع، مطمع كل طامح عاقل من أرباب الحرْف وصناعة الكلام، وتقييده بالعاقل إخراجًا للظانين أن التشدق والتقعر والتعقيد والإغراب والإغماض أعلى ما يصبو إليه حاملو اليراعات وضاربو لوحات المفاتيح، وأن علامة الجودة والفصاحة والبلاغة عدم فهم السامع أو القارئ شيئًا من الكلام.
للأسف ليس هذا مقصورًا على الممارسين، ففطرة الجماهير انقبلت، وصاروا لا يطربون إلا لما لا يفهمون، ولا يقيمون وزنًا إلا للغامض المبهم، لظنهم أن كل ما لا معنى له ظاهر -واعتقادي أنه كذلك في الباطن- فهو رمز وإشارة، لا يعقلها إلا العالمون. فهم كما قلتُ سابقًا* ينفقون أوقاتهم -وإن قليلًا- في حل الرموز، واستخراج الكنوز، يفرطون في إطراء ملامسة المعاني لقشور الأدمغة وشُغُف القلوب.
ويبقى الممارس بين سندان الفصاحة ومطرقة التطريب، هذه تثبت وتلك تضرب، والمسكين يصير في خبرَ كان. ولأن الإنسان لا يفتأ يعيد نفسه ويظن أنه ربما لن تتكرر المعاناة هذه المرة، وسيجني التمر من الحنظل، أو التفاح من السفرجل، يقع في المأزق كل مرة ولا يتوب، فمجد الكاتب -زعموا- احتشاد الناس على بابه، واعتكاف العذارى على أعتابه، وبلوغ طبعات الكتاب المئين في بضع سنين، وإلا فلا مجد، ولا جني إلا الكد.
الكلام عن الصيت والشهرة يطول، وأنا الليلة مشغول، فأرجئ الكلام إلى غير هذا المقام، فالوقت متأخر والناس نيام، وإني على استفادتهم لحريص، وإن كنت أعلم أن بضاعتي التخريص.
اقتباس للختام:
"- لعلك بارع في نسج الحبكة، لكنها سرعان ما تتهاوى وتتبعثر. عليك أن تقرأ الأدباء الكبار... كي ترفع من مستوى تطلعاتك الأدبية.
- لكن قصصي تعجب القراء!
- هذا ليس بفضل جدارتك، بل لأن منافسيك عاجزون وجهلة لدرجة أن يصاب الحمار بانفصام الشخصية إذا قرأ فقرة واحدة من نصوصهم."
فيصل، يراعي "الظرافة" والأحكام
19 ذو الحجة 1444هـ
7 يوليو 2023م
----
* راجع تدوينة اليوم الثامن والثلاثون بعد المائة
كلامٌ غير مفزلك عن المتفزلكين 😅
ردحذف