اليوم السادس والعشرون بعد المائتين | نظّارات وأنظار
علاقتي بالنظارات الطبية بدأت مبكرًا جدًا، فما إن أتممت سنتي الأولى الابتدائية حتى بدأت الضبابية تتسلل إلى عينيّ، فما عدت أستطيع قراءة ما يكتبه المعلم على السفورة * من مكاني في الصفوف، إذ كنت نزيلًا دائمًا في سجن المقعد الأخير لطول قامتي. ونتيجة لهذا صارت علاقتنا خاصة حميمية جدًا، فهي أول شيء أبحث عنه عندما أستيقظ، وهي التي أغار عليها من كل يد تلمسها، وهي التي لا يكتمل يومي إلا برؤيتها، بل الالتصاق بها، وهي التي (على رأسي من فوق) حقيقةً لا مجازًا، وهذه مقدمة جوابًا لمن يكثر السؤال عن أسباب تركي لعمليات تصحيح النظر. والنظر في العربية يأتي بمعنى الإبصار والانتظار والتفكر، ومجازاته أكثر من أن تُعد، ويعجبني اشتراك أعمال البصر والبصيرة في معنى النظر، هذا من جهة اللغة، وأما من جهة الاصطلاح -والاصطلاح هو اتفاق علماء علم من العلوم على استخدام كلمات من اللغة مخصوصة لمعانٍ في العلم مخصوصة- فقد استأثر به أجل العلوم الإسلامية وأشرف المعارف الإنسانية، أعني علم أصول الدين، المتعلق بمعرفة الذات الإلهية وأفعالها. والنظر عند أهل هذا الفن من أهل النظر والنُّظّار: ترتيب الأفكار في الذهن ليتوصل بها إل...