المشاركات

عرض المشاركات من أغسطس, 2023

اليوم السادس والعشرون بعد المائتين | نظّارات وأنظار

علاقتي بالنظارات الطبية بدأت مبكرًا جدًا، فما إن أتممت سنتي الأولى الابتدائية حتى بدأت الضبابية تتسلل إلى عينيّ، فما عدت أستطيع قراءة ما يكتبه المعلم على السفورة * من مكاني في الصفوف، إذ كنت نزيلًا دائمًا في سجن المقعد الأخير لطول قامتي. ونتيجة لهذا صارت علاقتنا خاصة حميمية جدًا، فهي أول شيء أبحث عنه عندما أستيقظ، وهي التي أغار عليها من كل يد تلمسها، وهي التي لا يكتمل يومي إلا برؤيتها، بل الالتصاق بها، وهي التي (على رأسي من فوق) حقيقةً لا مجازًا، وهذه مقدمة جوابًا لمن يكثر السؤال عن أسباب تركي لعمليات تصحيح النظر. والنظر في العربية يأتي بمعنى الإبصار والانتظار والتفكر، ومجازاته أكثر من أن تُعد، ويعجبني اشتراك أعمال البصر والبصيرة في معنى النظر، هذا من جهة اللغة، وأما من جهة الاصطلاح -والاصطلاح هو اتفاق علماء علم من العلوم على استخدام كلمات من اللغة مخصوصة لمعانٍ في العلم مخصوصة- فقد استأثر به أجل العلوم الإسلامية وأشرف المعارف الإنسانية، أعني علم أصول الدين، المتعلق بمعرفة الذات الإلهية وأفعالها. والنظر عند أهل هذا الفن من أهل النظر والنُّظّار:  ترتيب الأفكار في الذهن ليتوصل بها إل...

الأيام من التاسع عشر إلى الخامس والعشرين بعد المائتين | ذوبان

 حامت في ذهني أسئلة كثيرة، بدأت بواحد وانتهت بأسراب لا حصر لها تسد عين الشمس، القلق خشية الإملال والإثقال لم يعد العدو الوحيد؛ فالقلق حيرةً في الموضوع الذي سأتناوله بالكتابة لم يتركه يستفرد بي، فأنا ضحيّته المفضلة. وتحت نعيق الأسئلة وجلد سياط قلق حيرة الموضوع قضيت الأيام الماضية بعيدًا عن الكتابة. مقدمة أردت إثباتها هنا، لا علاقة لها بما سأكتبه بعد. تلك مقدمة أردت إثباتها في تدوينة شرعتُ فيها منذ أيام، وبقيت أفكر وأكتب فيها، ولما وجدت الأمر طال، والعهد بالكتابة بَعُد، جعلتُها مشروعًا مستقلًا عن الأيام وما فيها. أما موضوع اليوم فهو الذي لما أحسمه حتى الآن، ولعله يتجلى لي أمر بعد إثبات هذه المقدمة هنا، فتصير مثل أختها؛ لا علاقة لها بما سأكتبه بعدُ. بعد أن تحضر الإنسان وتمدن، واستبدل المخاوف بالمخاوف، وبعد ما بعد التحضر والتمدّن الأوّل، تغوّلت المخاوف على الخلائف * ، واتسعت الفجوة بين الإنسان وإنسانيته، وفقد كثيرًا من أصوله متقربًا بها إلى آلهة الجنات الإسمنتية والتروس المعدنية ومصابيح النيون. لم يعد للأشياء قيمة في نفسها، والمعنى خرج ولم يعد، وصار الطبيعي شاذًا والشاذ طبيعيًا، وذابت ...

اليومان السابع عشر والثامن عشر بعد المائتين | خارج الأيام داخل القلق

لم أجرب الكتابة المتسلسلة من قبل، فقد كنت أحرص على اختصار كل ما أريد قوله في مكتوب واحد، أو أضطر -آسفًا-إلى قطع الكلام والتوقف عن إنهاء ما بدأته بصورة قد تكون مفاجئة، للتملص * من عبء التسلسل والتجزئة، متعذرًا بأي شيء، فتمسي الأشياء مقضومة، والأفكار ناقصة، ودائمًا يبقى النصف ضائعًا. أو أستعين بالرمز والإشارة، وهذه على جمالها، وعرة تحتاج إلى تأمل وحذر، فالرموز إما مبتذلة، وإما مبتكرة، والأولى الكل يمجها ويملها، فتبقى الثانية، وهي الوعرة، وهذه لا أقول كل من يقرأ، ولكن أكثرهم، لا يفهمونها، ولا يحلّونها، ولا يفكّونها، لأنهم لا يتأملونها أصلًا، بل يبقونها على ظاهرها، راضين بقشرتها عن لبّها. هذا، ولأني أخشى من أن يتغير أسلوبي في الكتابة، فيختل النظام، وتتعثر السردية، ويكون الراوي غير الراوي، وهذا أمر مزعج للعين، مكدر للقلب، يبيّن ضعف الكاتب ويكشف عورته، وستر المؤمن نفسه واجب، ومن أنا حتى أكشف ستر الله عن ضعف قلمي وعوراتي الكتابية؟ ولا يستبعدن أحد هذا -أعني اختلاف الأسلوب المؤدي لما قلت- فالكتابة متأثرة -غالبًا- بحالة الكاتب النفسانية، والحالة متأثرة هي الأخرى بمحيط الكاتب، والمحيط إما وإما و...

اليوم السادس عشر بعد المائتين | عتاب الأقلام لذوي الأحلام | تذكرة كاتب

 طال انتظاري لهذه اللحظة، حتى يئست من أن تأتي، ولكن يا للعجب ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فُرجت، وكنت أظنها لا تُفرجُ أتعرف كم صبرت معك وعليك؟ والله لا أراك تقدر لما بيننا قدره، ولا تعرف له حقه، فأنت مهمل ملول عجول، لا تُنْضِج أفكارك، ولا تزن كلماتك، تسترسل فيها على عواهنها * ، ولا تلقي بالًا لشيء. قالوا قديمًا (حب الجن غَلْغَلَة ** ) ليتهم تأملوا حب الإنس، لعلهم إن فعلوا يعدلون عن قولهم، فهم أشد فتكًا بأحبابهم من الجن؛ تزعم حبي، وحب علاقتنا، وتريد أن يرتبط اسمك باسمي، وأن أوصلك بالناس ليسمعوا ما تريد قوله وتفكر فيه وتشعر به، ولا تريد أن تدفع حق هذه الخدمات! بل وتتثاقل في أداء واجباتك، ولا تكتفي بهذا فتزيد الطين بلةً بإثقال يديك عليَّ في كل مرة تقترب فيها إليَّ، وتتركني بعدها مباشرة كأن لم يكن شيء بيننا، ولا تبقى لتتأمل بديع ما صنعنا معًا -ومشّيها بديع- في لحظات خلوتك معي. لا أكذبك القول، أحب أوقاتي معك، وأراني في كل مرة أتخلى عنك فيها، لا أطيق صبرًا حتى أعود لمكاني، بين يديك. لعلّي مثلك؛ أتذكر قولهم (البسّ يحب خنّاقه)؟ أنا وأنت نشترك في كوننا بعض مصاديقه، فأنت مع ما أزعجك به، وث...

اليوم الخامس عشر بعد المائتين | ما بعد (ما الأيام؟) 3

فارس القلم سقط عن دواته، متشحطًا في حبره، مخنوقًا بأفكاره، بعد أن ثبت في مواجهة مشاريع العمل التي استفرغت طاقته الكتابية. توقفت عن القراءة، وعن كل شيء آخر، وتخلفت عن ركب الرحلة، وما عدت قادرًا على الاستئناف، ذلك لأن محامي البطالة أفضل من كسب قضايا الدواعي ودعاويها. ولأن الحال المايل ما يرضي أحدًا، أخذت أبحث عن باعث مني أو داعٍ من غيري. طال بحثي، وأنا على حالي متوقف عن كل شيء،  حتى يأست من إيجاد ما أريد، وظننت الظن السيء، حتى ساقتني الأقدار للوقوع على ما نسيته طويلًا، وأنساني وقوعي عليه بغيتي، وهي الباعث أو الداعي، لأنني وقعت على معزّيَّ، آية الأدب الروسي العظمى أبي الاعتراف الكونت ليڤ بن الكونت نيكولاس تولستوي فعل الله به ما يشاء، ممثلًا في يومياته من فتوّته إلى شيخوخته. ويومياتُه تملكي لها أثير عندي، ففي العاشر من شوال سنة 1443هـ الموافق للحادي عشر من مايو سنة 2022م ، كنت مع صديقي الحبيب، الطبيب الأديب، مغيث اللهفان، وكهف الأمان، أحمد بن فريد سمّان -زاده المولى توفيقًا وسدادًا حيثما كان- في أحد المجمعات التجارية، نتناول طعام العشاء ونتجاذب أطراف الحديث عن شؤون الثقافة والأدب، حتى ...

اليوم الرابع عشر بعد المائتين | ما بعد (ما الأيام؟) 2

  نفضت عن نفسي ما علق بي من غبار الأوهام والأضغاث التي ضربتها ببعض بعد أن كتبت ما كتبت، مستوحيًا من مذكراتٍ لو قرأ كاتبها ما استوحيت منها لحاول صفعي، وليخسأ عدوّ الله فلن يعدو قدره، ولن يغادر قبره. وإن حصل وتقابلنا، ودارت بيننا (العركة) وتماسكنا، لوجد عودي صلبًا شديدًا يفلق من يقارعه. أقول إني نفضت عن نفسي الغبار وشرعت في قراءة شيء جديد تحت مظلة البرنامج، إذ كنت وقتها ملتزمًا مواظبًا على الحضور والمشاركة، وهذه المرة كنت على موعد مع الأديب الأمريكي صمويل لانغهورن كليمنس -المعروف باسم مارك توين- وسيرته الذاتية، وهو الأمريكي الثاني الذي أقرأ له بعد دان براون، وإن كنت أعرف قبل قراءتي لدان براون أنه أمريكي لما قرأت له، لاعتقادي بسخف كل أمريكي، وأعرف أني إن فعلت سأندم على زهدي بعد الاطلاع على نتاج بعض الأمريكيين في حقول مختلفة. الورق يطفح سخرية لذيذة، وتجربةً إنسانية عميقة، واختبارًا للحياة من مرحلة مبكرة، ومشاعر جياشة. سرد لطيف لا تستثقله، كأنك جالس مع جدك وهو يحكي عن أيام صباه وما جرّب في الحياة وتنقلاته في الصناعات والأعمال المختلفة بعد وجبة غداء مشبِعة معجِبة سحبت الدم من رأسه ف...

اليومان الثاني عشر والثالث عشر بعد المائتين | رسالة أمست تدوينة

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته صباحكم خير جميعًا تبارك الله نشاط الرفاق يشرح الصدر، ويثلج الفؤاد، ويرجع للإنسان الهمة المفقودة، فـ رضي الله عنكم. بعد انتهائي من (أثقل من رضوى) بدأت في قراءة الجزء الثاني من سيرتها الذاتية (الصرخة)، والذي لم تكمله رحمها الله، إذ وافتها المنية وهو مسوّدة وقصاصات مهملة. ولا أخفيكم سرًا أن قراءتي لها كانت بطيئة متثاقلة، فأنا لم أعرفها خارج (ثلاثية غرناطة)، وقد أبدعت فيها ما شاء الله أن تبدع، وأجادت أيما إجادة. أما (أثقل من رضوى) فقد كانت أثقل من رضوى، لدخولها في تفاصيل أحداث بعيدة العلاقة بسيرتها، فوصف الجو العام يغني عن تفصيلِ الأحداث تفصيلَ النشرات الإخبارية والتقارير الصحفية. فبدأت بـ (الصرخة) ولم أكمل منه عشرين صفحة حتى تركته. ومنه عدت إلى يوميات تولستوي، لأقرأ الجزء الثاني منها، بجوار (لماذا تفشل الأمم)، وكتاب ثالث أخف منهما، يسليني عندما تثقل قراءتهما عليَّ. وتعدد الكتب التي يقرؤها المرء بالتوازي عادة أكثر أهل العلم والأدباء، وعادات السادات سادات العادات. فبها تبقى حبال القارئ متصلةً بالكتب، ولا ينقطع عنها لملالة طارئة أو انشغال بال، فبعض الكتب...

اليوم الحادي عشر بعد المائتين | ما بعد (ما الأيام؟)

قلتُ في التدوينة السابقة -وأنا أدعوك قارئي العزيز إلى العودة إليها قبل أن تشرع في قراءة هذه التدوينة- أن الأيام مشروع اختبار وتجربة وتحدٍ واكتشاف لطرق وأساليب صياغة الكلام ونسج المعاني والموضوعات التي لم أطرقها قبلًا، رحلة كما يحلو للبعض تسميتها، وليحصل هذا لابد أن أقرأ ما لم أقرأه أصلًا، وأطلع على ما تركته -وأنا آسف على تركي له الآن- حبيس الأرفف، أو سجين التعصب، أو ضحية الاحتقار أحيانًا، أو تضحية التحصيل لما ينفع غالبًا... إلخ من أسباب الترك والهجر. وهذه وحدها -أعني القراءة والاطلاع- رحلة أيما رحلة. وسأحكي لك عزيزي القارئ طرفًا من بدايتها، لعلها تكون بشرى خير بعودتي لموضوع هجرت الكتابة فيه زمنًا طويلًا، وهو الكلام عن الكتب وما يتعلق بها، مراجعةً، ونقدًا، وشرحًا، واستدراكًا. والكتب والحديث عنها أحب الأشياء إلى قلبي وأدخلها عليه سرورًا وبهجة -بعد الأوائل المفروضة أو الملتزمة- أنشط له، وأطرب لسماعه، وأشتهيه في كل وقت، لا يُمل على تكراره، ولا يُستثقل لطوله. كانت البداية في برنامج (رحلة الكتابة) مع أستاذ الأستاذين عبد الله بن عمر أطال الله بقاءه وأدام نفعه، إذ كان من ضمن الكتب المختارة لق...

الأيام من المائتين إلى العاشر بعدها | ما الأيام؟

 كان المرجو والمؤمل أن يكون لكل يوم كتابته وتدوينته، فها هو اليوم المائتين حضر وذهب، والذكرى السنوية الأولى كذلك، ومجموع المكتوب لما يجاوز المائة، ولا تحدثني عن القناعة والرضا بالقليل، فليس هذا مقامهما؛ فنيل المقصود وتحقيق المرغوب في هذا المقام متوقف على الطمع والنهم، لا القناعة والرضا. وقد يتساءل بعض القارئين عن مقصودي ومرغوبي من هاته الكتابات والتدوينات والأيام التي لا يُفهم لها غرض ظاهر، ولا مغزى باطن، قصاصات تجمع شذرات أفكار مقطعة أعيد إلصاقها بطريقة عشوائية، فسطر ذو معنى، وعشرة بلا. وحق لهم، فالكاتب العاقل يُفترض منه إرادة شيء ما مما يكتب، وإن كانت إرادة الممارسة فقط. وأنا أزعم في نفسي العقل، ولي إرادة من وراء هذا، كان التزام الكتابة يوميًا، لمدة عام كامل، كل يوم نص جديد غير سابقه ولاحقه، مستقل أو متمم، خاطر أو وارد، مقال أو قصة، نثر أو شعر، والأخير مستبعد لكلالة الداعية وضعف القريحة وغياب السليقة. المهم ألا تمضي أربعة وعشرون ساعة إلا ونسجت يدي خيوط شيء ذي معنى مفهوم، لا يشترط فيه الكمال، ولكن الحد الأدنى من الجودة المقبولة عندي، وكثير مما خرج لا يُقبل عندي، ولولا الإغضاء لما ...

الأيام من الخامس والتسعين إلى التاسع والتسعين بعد المائة | الحكمة المتسافلة

خير عادة ألا تكون لك عادة، من أوائل ما ألقي على سمعي من حكمة تلقاها الناس جيلًا عن جيل، وجرت على ألسنتهم تذكيرًا أو تعليمًا. وهذه الحكمة الشعبية المتوارثة -التي سنسميها الحكمة المتسافلة وستعرف يا عزيزي القارئ لم- غالبًا ما تحتقرها جماهير المنظرين، الذين عادةً ما يكونون متنورين في أنفسهم، منورين لغيرهم، بشعلة التجديد، والحداثة، وما بعد الحداثة، وما بعد القباحة، والأخير قول انفرد به أبو آدم عبدوش الفِلَكْرَدِيّ أدام الله نفعه وظلاله، على ما روّيناه ورأيناه. وفِلَكْرَد -بفاءٍ مكسورة فلام مفتوحة فكاف ساكنة فراء مفتوحة فدال- قصبة في شمال الجزيرة. أقول: إن الذين ذكرتهم يحتقرونها لأنها مرتبطة عندهم بالتخلف حين تقدمت الأمم، وبالتسافل لما تعالى غيرهم، سواء العرب والعجم. فكل أمر قولًا أو فعلًا أو اعتقادًا تمسك به العوام مهما كان معتمدها ومنطلقها لم يجلب نصرًا أو تقدمًا أو فائدة من أي نوع كانت، مع أنك تجدها -في غالب الأوقات- أصلح ما يعمل به المرء في نفسه، فـ "العبط سيّد الأخلاق"، و"أذن من طين وأذن من عجين"، و"اقتلهم بالسكر بدل السم"، و"لو وقع بيت أبوك خد منه طوب...