علاقتي بالنظارات الطبية بدأت مبكرًا جدًا، فما إن أتممت سنتي الأولى الابتدائية حتى بدأت الضبابية تتسلل إلى عينيّ، فما عدت أستطيع قراءة ما يكتبه المعلم على السفورة* من مكاني في الصفوف، إذ كنت نزيلًا دائمًا في سجن المقعد الأخير لطول قامتي. ونتيجة لهذا صارت علاقتنا خاصة حميمية جدًا، فهي أول شيء أبحث عنه عندما أستيقظ، وهي التي أغار عليها من كل يد تلمسها، وهي التي لا يكتمل يومي إلا برؤيتها، بل الالتصاق بها، وهي التي (على رأسي من فوق) حقيقةً لا مجازًا، وهذه مقدمة جوابًا لمن يكثر السؤال عن أسباب تركي لعمليات تصحيح النظر.
والنظر في العربية يأتي بمعنى الإبصار والانتظار والتفكر، ومجازاته أكثر من أن تُعد، ويعجبني اشتراك أعمال البصر والبصيرة في معنى النظر، هذا من جهة اللغة، وأما من جهة الاصطلاح -والاصطلاح هو اتفاق علماء علم من العلوم على استخدام كلمات من اللغة مخصوصة لمعانٍ في العلم مخصوصة- فقد استأثر به أجل العلوم الإسلامية وأشرف المعارف الإنسانية، أعني علم أصول الدين، المتعلق بمعرفة الذات الإلهية وأفعالها. والنظر عند أهل هذا الفن من أهل النظر والنُّظّار: ترتيب الأفكار في الذهن ليتوصل بها إلى أفكار أخرى. والتعبير بأفكار من كيسي تجوّزًا وتقريبًا لمعنى التعريف بعيدًا عن اصطلاحات العلم، حتى لا نستطرد في شرحها، لأنها ليست مقصودة.
وأنا أقول إن النَظَّار في كل صنعة أحذق القوم وأبرعهم وأوسعهم إحاطة، وهؤلاء يرون ما لا يرى الناس، سواء كانوا من غير أهل الصنعة أو من أهلها لكن دون النظارين في المرتبة، فنظرهم نافذ إلى أمور لا يدركها غيرهم، أضف إلى ذلك استغناءهم في كثير من الأحيان عن الأدوات والتأمل في حل المعضلات**، وعقلهم العملي بحكم الخبرة والدربة عارف بعواقب القرارات وآثارها المستقبلية، فتراهم (بعيدي النظر) يتكهنون أو يتنبّؤون بالمستقبل.
وكاتب الحروف ليس منهم ولا من أقل أصحابهم، إنما متطفل على موائدهم بحكم الحيرة أولًا والفضول ثانيًا والدراسة ثالثًا، لكن الناس يحبون استسمان ذوي الأورام، والاضمحلال والسقوط عمّا وطمّا***، والحال كما ترى، فلا يذهبن ذهنك إلى أني أريد تلميع صورتي، أو أن أمدح نفسي بتخصصي وانتمائي إلى ذويه، لأن كلمة (التخصص) عندي مشكلة معها، فكل عاقل يوقن بأن خريجي كل الكليات ليسوا على درجة واحدة، فالحكم بصدق (التخصص) على جميع أفرادهم تهوّر ومجازفة.
كل هذا تقدمة لأحكي ما حصل معي البارحة، فقد جمعني أمس مجلس أنس بخيرة شباب الإنس، ودارت بيننا أوّليات الكلام، عن (التخصصات) والأعمال والأحلام، فتعجبوا وأكثروا السؤال لما عرفوا حكايتي، ولاموني على فصلي (تخصصي) عن كتابتي، فقد قلت لهم إني محرر وكاتب محتوى، فقالوا: ما لك لا تدعو للديانة وترد إليها من حار وتدفع عنها من حاد والتوى؟ استثمر ما وهبت من نِعَم، علك تحظى بما هو خير لك من حمر النَعَم. قلت: على رسلكم يا صحب، فالوضع أعقد والأمر صعب، فإني إن فعلتُ أبنتُ عما به تديّنتُ، وخالفت السائد وللنقد والعصبية تعرّضتُ، فبناء الإسلام واحد منتظم في نسق منضبط، فأوله مؤثر في آخره، وبعضه يكمل بعضه، فلو قمت بالأمر، لم أأمن الضرّ، إذ سأكون داعيةً لبدعة ضلالة، أو أرمى بالسحر والتعامل مع جن صلالة****.
فلم يفهموا المراد ولا الإشارة، وضاق الوقت عن التبيين واتسع المعنى على العبارة.
وجملة الكلام: إن اختيار سبل الاستدلال على وجود الصانع سبحانه وتعالى، مؤثر في كيفية وضوء المرء بعد أن يدخل في دائرة التشرّع مثلًا، فأصول الدين (الاعتقادات والنظرة إلى الكون) مؤثرة في أصول الفقه (أدوات الفهم والاستنباط) التي هي أساس في استخراج الأحكام الشرعية، وهذه وإن كانت بعيدة الأثر جدًا على الداخل حديثًا في الإسلام بعد تركه إلحادَه، فأسماء وصفات الصانع وأفعاله وطريقة النظر فيها وإليها تعتمد على الاختيار الذي ذكرناه.
فإن اخترت ما أرتضيه كشفتُ عن مذهبي، وأنا مبدئي في هذا الأمر منذ أن تلطخت بأوحال التوحيد***** قول قائلهم:
ما لي وللناس كم يلحونني سفهًا ديني لنفسي ودين الناس للناسِ
ومن بعده جار الله الزمخشري عليه الرحمة والرضوان قال:
إذا سألوا عن مذهبي لم أبح به وأكتمه، كتمانه لي أسلمُ
وللتفصيل كلام آخر لا يسعه المقام، لعلنا نطرقه في قابل الأيام، وآخر الأقوال الحمد لذي الجلال والإكرام وعلى المصطفى وآله الصلاة والسلام.
فيصل، يلوّن ويشكّل وينوّع
13 صفر 1445هـ
29 أغسطس 2023م
*السبورة، لوح الكتابة في المدارس
**المشكلات
*** عمَّ: انتشر. طمَّ: غمر الشيء وغطاه وملأه
**** الداعي السجع المتكلف، أما أهل عمان فعلى الرأس والعين.
***** شوائب الإيمان والشكوك.
تعليقات
إرسال تعليق