اليومان السابع عشر والثامن عشر بعد المائتين | خارج الأيام داخل القلق

لم أجرب الكتابة المتسلسلة من قبل، فقد كنت أحرص على اختصار كل ما أريد قوله في مكتوب واحد، أو أضطر -آسفًا-إلى قطع الكلام والتوقف عن إنهاء ما بدأته بصورة قد تكون مفاجئة، للتملص* من عبء التسلسل والتجزئة، متعذرًا بأي شيء، فتمسي الأشياء مقضومة، والأفكار ناقصة، ودائمًا يبقى النصف ضائعًا. أو أستعين بالرمز والإشارة، وهذه على جمالها، وعرة تحتاج إلى تأمل وحذر، فالرموز إما مبتذلة، وإما مبتكرة، والأولى الكل يمجها ويملها، فتبقى الثانية، وهي الوعرة، وهذه لا أقول كل من يقرأ، ولكن أكثرهم، لا يفهمونها، ولا يحلّونها، ولا يفكّونها، لأنهم لا يتأملونها أصلًا، بل يبقونها على ظاهرها، راضين بقشرتها عن لبّها.

هذا، ولأني أخشى من أن يتغير أسلوبي في الكتابة، فيختل النظام، وتتعثر السردية، ويكون الراوي غير الراوي، وهذا أمر مزعج للعين، مكدر للقلب، يبيّن ضعف الكاتب ويكشف عورته، وستر المؤمن نفسه واجب، ومن أنا حتى أكشف ستر الله عن ضعف قلمي وعوراتي الكتابية؟ ولا يستبعدن أحد هذا -أعني اختلاف الأسلوب المؤدي لما قلت- فالكتابة متأثرة -غالبًا- بحالة الكاتب النفسانية، والحالة متأثرة هي الأخرى بمحيط الكاتب، والمحيط إما وإما وإما...

بدأت غير قاصد سلسلة "ما بعد (ما الأيام؟)"، إذ لو دقق القارئ النظر في أولاهن، سيجد خاتمتها موحية بالاكتفاء من الكلام عن القصة، متعذرًا بطولها، مع إغرائي بما فيها من أحداث مثيرة، وهو نمط شاهدته من نفسي في بعض خواتيم التدوينات بقصد الإغاظة وإثارة الجدل. وابتدائي للسلسلة حصل لما كثر من قرائي المخلصين -وهم قلة- السؤال عن أسباب التوقف، وإحساسهم بعدم الفهم للمكتوب، ومطالبتهم بالزيادة والاسترسال في الكلام، فخلوتُ إلى نفسي مفكرًا بحالي، ناظرًا في الأمر، حتى قلتُ لنفسي: ولم لا أجرب؟ أليس هذا غرض الأيام؟" وبنيت على الأولى الثانية، وعلى الثانية الثالثة، والرابعة بإذن الله قريبة، وهذه -أي تدوينة اليوم- على كل السلسلة.

لكني لما انتهيت من كتابة الثالثة، خفت مما ذكرتُ، وتثاقلتُ كما أخبرتُ، وبدأت أقلق من إملال القارئ والإثقال عليه بما لا طائل تحته كما أزعم، حتى عزمتُ على التوقف عنها، إلا أنني لما آنستُ** من المخلصين استحسانًا وإعجابًا، قلتُ لنفسي: لم لا تجمع بين الحسنيين؟ فتجعل لكل نصيبًا، اضرب للمنفصلات أسهمًا في الأسبوع، وللمتصلات كذلك، وانظر أيهما تجعل له نصيب الأسد. ولكي أصدقك القول يا قارئي، أقول لك إني لمّا أحسم أمري في المسألة، ولم أصدر عنها برأي بعد. الحاصل، ارتقب تدوينة الغد، فـ (الخبر اليوم بريال، وبكرة ببلاش).

فيصل، يلاحظ ملاحظة القارئ
6 صفر 1445هـ
21 أغسطس 2023م
*تَمَلَّصَ: أفلت وهرب وتسلل
**آنس: أحس ووجد ولاحظ وعلم


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بارق التجليات في ذكر شيء من نوادر المخطوطات

اليوم الأخير

أشتات عن المسلسَلات