اليوم الحادي عشر بعد المائتين | ما بعد (ما الأيام؟)

قلتُ في التدوينة السابقة -وأنا أدعوك قارئي العزيز إلى العودة إليها قبل أن تشرع في قراءة هذه التدوينة- أن الأيام مشروع اختبار وتجربة وتحدٍ واكتشاف لطرق وأساليب صياغة الكلام ونسج المعاني والموضوعات التي لم أطرقها قبلًا، رحلة كما يحلو للبعض تسميتها، وليحصل هذا لابد أن أقرأ ما لم أقرأه أصلًا، وأطلع على ما تركته -وأنا آسف على تركي له الآن- حبيس الأرفف، أو سجين التعصب، أو ضحية الاحتقار أحيانًا، أو تضحية التحصيل لما ينفع غالبًا... إلخ من أسباب الترك والهجر. وهذه وحدها -أعني القراءة والاطلاع- رحلة أيما رحلة.

وسأحكي لك عزيزي القارئ طرفًا من بدايتها، لعلها تكون بشرى خير بعودتي لموضوع هجرت الكتابة فيه زمنًا طويلًا، وهو الكلام عن الكتب وما يتعلق بها، مراجعةً، ونقدًا، وشرحًا، واستدراكًا. والكتب والحديث عنها أحب الأشياء إلى قلبي وأدخلها عليه سرورًا وبهجة -بعد الأوائل المفروضة أو الملتزمة- أنشط له، وأطرب لسماعه، وأشتهيه في كل وقت، لا يُمل على تكراره، ولا يُستثقل لطوله.

كانت البداية في برنامج (رحلة الكتابة) مع أستاذ الأستاذين عبد الله بن عمر أطال الله بقاءه وأدام نفعه، إذ كان من ضمن الكتب المختارة لقراءتها في البرنامج (مذكرات الأرقش) لميخائيل نعيمة، وقد وجدته منسوجًا على منوال جديد لم أعهده، أنتج شيئًا جمع حسن ألفاظ العربية وحلاوة مفرداتها، بالتراكيب الأعجمية الغريبة المستحسنة وركاكة و(عامية) التعابير. ذُهلت لما قرأت ورأيت، طربت لأمور، وضقت بأخرى، لكنها كانت بداية السفر في عالم كاتب قد يُنازع في عظمته، لكني أزعم أننا نتفق على بديع بعض ما خط يراعه على الأقل.

التهمت الكتاب، وغضبت من نفسي على تركه، مع أن ميخائيل نعيمة وكتاباته - مع مجموعة من أدباء المهجر- كان موضوع بعض دروس مادة الأدب العربي والنقد المقررة علينا في المرحلة الثانوية. وإني أذكر إلى اليوم انفعال وشدة أستاذ المادة فسح الله في عمره وبارك في علمه وعمله لما تكلم عنه وعن نزار قباني تحديدًا. أقول هذا لعله من أسباب زهدي فيه، ولا ألقي بلائمة على أستاذي، فأياديه عليَّ كثيرة، وما كان فعله ذاك إلا نصحًا وحرصًا يُشكر عليه رضي الله عنه.

وتحت تأثير ما قرأتُ عليَّ، وتكاسلًا مني عن الإبداع، لبست إهابًا غير إهابي، وانتحلت أسلوبًا ضربت فيه ضغث يدي أضغاثًا بضغثيها أوهامًا، وكتبت نصًا لا يعرف وجهه من قفاه، سخيف، غاية في الرداءة، تحت عنوان (فراقًا لحلاوة السكوت، وتجرعًا لمرارة الكلام، وجبرًا على الكتابة | وحي مذكرات الأرقش) تجده في أقدم التدوينات، ولا أنصحك بقراءته خوفًا على مرارتك من أن تنفجر وأعصابك من أن تتلف وكبدك من أن (تدبل)، فهو سقيم مسقم.

وأكتفي بهذا القدر من الحكاية، فهي طويلة للغاية، ولو قضيت ليلي ونهاري في حكايتها، لما فرغتُ من مشاركة ونثر حكمتها، وأختم المكتوب مستغفرًا، مصليًا على الحبيب شاكرًا، والحمد لله أولًا وآخرًا.

فيصل، يصنع سرديّته

27 محرم 1445هـ

14 أغسطس 2023م


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بارق التجليات في ذكر شيء من نوادر المخطوطات

اليوم الأخير

أشتات عن المسلسَلات