الأيام من الخامس والتسعين إلى التاسع والتسعين بعد المائة | الحكمة المتسافلة

خير عادة ألا تكون لك عادة، من أوائل ما ألقي على سمعي من حكمة تلقاها الناس جيلًا عن جيل، وجرت على ألسنتهم تذكيرًا أو تعليمًا. وهذه الحكمة الشعبية المتوارثة -التي سنسميها الحكمة المتسافلة وستعرف يا عزيزي القارئ لم- غالبًا ما تحتقرها جماهير المنظرين، الذين عادةً ما يكونون متنورين في أنفسهم، منورين لغيرهم، بشعلة التجديد، والحداثة، وما بعد الحداثة، وما بعد القباحة، والأخير قول انفرد به أبو آدم عبدوش الفِلَكْرَدِيّ أدام الله نفعه وظلاله، على ما روّيناه ورأيناه. وفِلَكْرَد -بفاءٍ مكسورة فلام مفتوحة فكاف ساكنة فراء مفتوحة فدال- قصبة في شمال الجزيرة. أقول: إن الذين ذكرتهم يحتقرونها لأنها مرتبطة عندهم بالتخلف حين تقدمت الأمم، وبالتسافل لما تعالى غيرهم، سواء العرب والعجم. فكل أمر قولًا أو فعلًا أو اعتقادًا تمسك به العوام مهما كان معتمدها ومنطلقها لم يجلب نصرًا أو تقدمًا أو فائدة من أي نوع كانت، مع أنك تجدها -في غالب الأوقات- أصلح ما يعمل به المرء في نفسه، فـ "العبط سيّد الأخلاق"، و"أذن من طين وأذن من عجين"، و"اقتلهم بالسكر بدل السم"، و"لو وقع بيت أبوك خد منه طوبة"، ما عملنا بها في مشكلة أو حادث أو اجتماع عمل أو اجتماع عائلة إلا كانت الحل الأنجع والدواء الأنفع بعد بحث طويل عن علاج، ولا عجب، فالله "يضع سره في أضعف خلقه".

لكن قد يسأل سائل: ماذا إن كانت الحكمة المتسافلة كما قال من ذكرتَ، وبضد ما زعمت؟ أليس الأولى أن نشتعل لنكون متنورين؟

أقول: اعتراضك في محله، وربما يتوهم السامع -أو القارئ في حالتنا هذه- قوته أول وهلة، لكن إن تأمل ونظر في ما قاله أو يقوله بقية المنظرين، سيجد جوابه وجواب غيره مما سُئل وسيُسأل وما لم يُسأل، ولا تقتصر هذه الأجوبة والحكمة على ما يعمل به المرء في نفسه، فستتراقى لتعم وتشمل المحيط الصغير والكبير والأكبر انتهاءً أو ابتداءً بالوجود الحق. وليس هذا مقام تقرير صدق أو صحة كلامي، ولتصفح عزيزي القارئ عن إطلاقاتي وانطلاقاتي إن كنت ممن لا يسلم بها أو يشترك معي فيها، وأعلم أنك ستفعل لأنك سترى أمارات الصحة في ثنايا ما يأتي.

وسنكتفي في مقامنا هذا بجواب كافٍ شافٍ مختصر، فدونك: لا يلزم مما ذكرتَ أن نشتعل بشعلة ما ذكرتُ، فأصحاب الحكمة المتسافلة إن رأوا سوء عاقبة شيء مما توارثوه، أو بيّن لهم المنظر أيًا كان فريقه فساده، أو قرر لهم صحّة دعواه، ببرهان أو جدل أو خطابة أو شعر أو مغالطة، كفوا عنه جملةً وتفصيلًا، ودعوا إليه، ليدخل في دورة تلقي الحكمة وجريانها على الألسن.
وإن قُدّر لك وعشت ما يكفي سترى عملية نقد ذاتي عجيبة، لكنها عزيزة الوجود نادرة الحصول، يكون فيها المجددون من العامة والدهماء.
المقصد أنك ستجدهم يميلون إلى الصواب غالبًا ويبحثون عنه، وإن تلبسوا بكثير من الأخطاء ووقعوا فيها وحافظوا عليها زمنًا، باختلاف حداتهم، كالمجد، والدين، والشهوة، والعصبية، لا تسكن قوافلها، ولم ينقطع يومًا مقتفو أثرها.

هذا، وإن ظهر المنظّر الجامع للحسنيين، الضارب بالسهمين، العارف بالحكمتين، فستفيض الجواهر والدرر، ومبادر ومخلد، وآخذ وتارك، وليس هذا محل تفصيل الكلام عنه وعن أسلوب الجمع.
لكني أشير إلى بعض المعاني -وليكن هذا ختام الكلام- بقول آية الأدب الروسي العظمى أبو الاعتراف الكونت ليڤ بن الكونت نيكولاس تولستوي فعل الله به ما يشاء في يومياته: ما يخرج من روح الكاتب يناسب الشعب أكثر من ذلك الجزء الذي يعبّر عن أقصى مراحل التطور في الكتابة ولا يفهمه الشعب. إن حاول الكاتب أن يكتب من مستوى الشعب لن يفهمه الشع. الأمر يشبه تمامًا صبيًا يبلغ من العمر ستة عشر عامًا يقرأ مشهد اعتداء على بطلة الرواية، هذا المشهد لا يثير في نفس الصبي أي مشاعر سخط، ولا يضع الصبي نفسه مكان هذه المرأة البائسة، لكنه يجد نفسه عن لا وعي يتماهى مع دور المغوي، ويبتهج بشعور الشهوة التي تكتنفه. هكذا هو الأمر مع الشعب، فهو يفهم أمرًا مختلفًا تمامًا عما نقصده.

فيصل، مدح القط فتغوّط في الدقيق
15 محرم 1445هـ
2 آب اللهّاب 2023م


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بارق التجليات في ذكر شيء من نوادر المخطوطات

اليوم الأخير

أشتات عن المسلسَلات