اليوم الخامس عشر بعد المائتين | ما بعد (ما الأيام؟) 3
فارس القلم سقط عن دواته، متشحطًا في حبره، مخنوقًا بأفكاره، بعد أن ثبت في مواجهة مشاريع العمل التي استفرغت طاقته الكتابية. توقفت عن القراءة، وعن كل شيء آخر، وتخلفت عن ركب الرحلة، وما عدت قادرًا على الاستئناف، ذلك لأن محامي البطالة أفضل من كسب قضايا الدواعي ودعاويها.
ولأن الحال المايل ما يرضي أحدًا، أخذت أبحث عن باعث مني أو داعٍ من غيري. طال بحثي، وأنا على حالي متوقف عن كل شيء، حتى يأست من إيجاد ما أريد، وظننت الظن السيء، حتى ساقتني الأقدار للوقوع على ما نسيته طويلًا، وأنساني وقوعي عليه بغيتي، وهي الباعث أو الداعي، لأنني وقعت على معزّيَّ، آية الأدب الروسي العظمى أبي الاعتراف الكونت ليڤ بن الكونت نيكولاس تولستوي فعل الله به ما يشاء، ممثلًا في يومياته من فتوّته إلى شيخوخته.
ويومياتُه تملكي لها أثير عندي، ففي العاشر من شوال سنة 1443هـ الموافق للحادي عشر من مايو سنة 2022م ، كنت مع صديقي الحبيب، الطبيب الأديب، مغيث اللهفان، وكهف الأمان، أحمد بن فريد سمّان -زاده المولى توفيقًا وسدادًا حيثما كان- في أحد المجمعات التجارية، نتناول طعام العشاء ونتجاذب أطراف الحديث عن شؤون الثقافة والأدب، حتى وصل بنا الكلام إلى المطبوعات الكثيرة التي نراها على الأرفف، والأكثر مبيعًا، و(ترندات) الكتب والروايات، وأشياء كثيرة مما يحمله السيل -أعني سيل الكلام كما تعلم- حتى قررنا الذهاب إلى متجر في المجمع، يبيع الكتب وأشياء أخرى كثيرة -ليس مجردة مكتبة وليس الذي ليس مجرد مكتبة فلا يذهبن وهمك بعيدًا قارئي الكريم- لنستعرض أحدث ما في الساحة وقتها، ولنعرف ما الذي يقبل الناس عليه، وما توفره (منافذ بيع الكتب) للقراء، والكلام عن توصيف حال الساحة ليس هذا مقاله أو مقامه أو أوانه، وعليه فسأرجئه إلى وقت لاحق أشارك فيه بعض حواري مع صديقي ورأيي بصورة كافية. وكنت قبلها أتابع إصدار أجزاء يوميات تولستوي، إذ كانت تصدر منَجّمة، حتى نشر آخرها، فصارت مجموعة، ولم أدرِ قبل أن أراها على أحد رفوف المنفذ، فذهلت وعزمت على شرائها، ولما نظرت إلى سعرها، لعنت الرأسمالية، وأعدتها إلى مكانها مكسور القلب مكسوف الوجه، فلاحظ صديقي تغيّري، فسأل، وألحّ، وأقسم مرارًا، حتى أخبرته ما جرى، فأخذ يقسم ويحلف بالأيمان المغلظة لآخذنّها عيديةً منه، وطال جدالنا، حتى وصلنا إلى حل اقتسام التكلفة، فوافق استدراجًا، وغدر بي عند الحساب، إذ دفع كامل المبلغ، وكانت تلك ألذ غدرة في حياتي.
لم أهملها كثيرًا، وبدأت بقرائتها بعد أسبوع من دخولها في نوبتي. وفاجأني نضج استقبلني في أوائلها، ينقد فيه تولستوي أحد بيانات إمبراطورة وبغاطرة كُل الروس كاترين الثانية ألكسيفنا المعروفة بكاترين العظيمة بنت كريستيان أغسطس أمير آنهالت ملكة روسيا، وتوجهاتها الإصلاحية، وهو لمّا يكمل العشرين من عمره، إذ بدأ تدوين يومياته وهو ابن تسع عشرة سنة إن لم أكن واهمًا. وبما أني ذكرت الوهم، فإني في التدوينة السابقة وهمتُ في أمر، وعنّ لي تصحيحه؛ ذكرتُ أن ميخائيل وكتاباته كان موضوع بعض دروس الأدب والنقد، مع مجموعة من شعراء المهجر -وهنا وهمت، إذ تشابه البقرُ عليَّ- وذكرت منهم نزار قـ.. كح كح لا مؤاخذة قباني، وقصدتُ إيليا أبو ماضي، فموضع شدة الأستاذ كان عند الكلام عن قوله: جئت لا أعلم من أين ولكني أتيتُ.
صدقٌ، وصفاءٌ، وحساب للنفس عسير، طموحٌ عالٍ، وسعي حثيث تتخلله كبوات وهفوات وسقطات، وعزيمةٌ تخور لكنها ما تفتأ تتجدد، رأيتني فيها، لا أقول من ناحية التأملات والأفكار -وإن كان هذا حقًا في بعض المواضع- ولكن من ناحية النفس وخواطرها، من حيث إنسانيته. فنحن عندما نرى فيلسوفًا روائيًا أديبًا كبيرًا مثله نُحجب بما نرى عن إنسانيته، وأنه كغيره من بني جنسه، يحزن، ويتألم، ويشتهي، ويخطئ، ويصيب، ويندم، ويتمنى، ويحلم، ويفشل، ويستمر في المحاولة، حتى توهمنا أن المكانة التي اقتعدها محض موهبة لا علاقة لها بالتجربة والدربة، مع أن أكثر العظماء يدعون إلى الأخيرة ولا يمحّضون التعويل على الوهب.
وكما تعرفون أن الكلام عن الموهبة والاكتساب فيه طول، وأنا الليلة مشغول، فنؤجل الكلام عنها خشية الإملال، لأن المقال قد طال، وصلى الله على سيدنا محمد والأصحاب والآل.
فيصل، يحاكي حائكي الحكايات
2 صفر الأغر 1445هـ
18 أغسطس 2023م
آخر ٣ سطور ✨
ردحذف