المشاركات

بارق التجليات في ذكر شيء من نوادر المخطوطات

 في أوائل عام 1441 للهجرة النبوية الشريفة وأواخر عام 2019 للميلاد العيسوي المبارك أيام دراستي الجامعية -سقى الله تيك الأيام- بدأتُ أظهر اهتمامًا بالبحث عن المخطوطات وإخراج شيء منها إلى النور بالتعاون مع بعض الفضلاء، فطوّفت على المكتبات الرقمية والعالمية -بالارتحال والإرسال- لتحصيلها وتتبعها، واستنساخها ومقابلتها، رجاء أن يكتب الله لنا نصيبًا في نفع الأمة بإبراز العلم النافع، الدائم أثره بعد رحيلنا. ومما لا بد أن يصادف الباحث عن المخطوطات وفيها؛ غرائب الفوائد ونوادر الأشعار والأخبار المدونة على طرر الأصول وأغلفتها، بل وكتبًا مجهولة لم تذكرها الفهارس، وغفل عنها كل باحث ودارس، من أيتام النسخ التي لا ثاني لها. وكان أغرب ما وقفتُ عليه مخطوط مهترئ التغليف لم تمسسه يد مرمم أو مفهرس، في مائتي لوحة، ألواحه السبعة والعشرون الأولى بيضاء لا رقم فيها، كأنه أُعد كناشًا لم يتملكه طالب علم، وفي الثامنة والعشرين منها مكتوب بخط مجوهر مغربي بديع (هذه مجالس شيخ الجماعة القطب العارف المهتدي أبي بصير فتح الدين عبد الحكيم بن الشيخ القدوة مؤمل كل يائس وظل العاري والبائس الشهيد كريم الدين عبد الرشيد الفر...

أشتات عن المسلسَلات

 بلغني أيها الخل الوفي والكريم السخي أن رمضان موسم، تتكدس فيه أكوام البشر على أشياء شتى، فتراهم أمام الفوّال طوابيرَ لا آخر لها، وكذلك الكيّال، والبقّال، والقالي * ، والسوبياوي ** ، والسنابيسي *** ، وغيرهم من أرباب أطايب المآكل والمشارب. وليس هذا حصرًا عليهم، فهم يزدحمون على الأسواق، والمقاهي، والمساجد، والبسطات، وطاولات "الفرفيرة" وتنس الطاولة، وشاشات التلفزيون أو التلفاز أو الرائي كما حلا لبعضهم تسميته! وأكثر ما يُنتج في موسم رمضان أو له -غير المأكولات والمشروبات- المسلسلات، وهي العروض المتلفزة التي تحكي قصةً واحدة أو قصصًا متعددة تشترك في قاسم ما؛ كالكوميدية، أو الدرامية، أو النقد للظواهر الاجتماعية... إلخ من أغراض الكتّاب والمنتجين، التي عادة ما تتأثر بقرارات المخرجين بمختلف أماكنهم، إن خلف الكاميرات وفي "البلاتوهات"، أو المكاتب الفخمة الضخمة، المصنوعة من خشب الصنوبر أو الزان، المنضدة غرفها بالمقاعد الجلدية التي تئط بجالسيها لأدنى حركة منهم. وهي لهذا ولأسباب غيره مسلسِلة وإن كانت مسلسَلة، إذ تزرع في المرء -مدركًا أو لا- مفاهيمَ وأفكارًا لا يبعد أن يتبناها قريبًا...

اليوم الأخير

عدنا والعود أحمدُ، عبارة استُهلكت لكثرة ما اعتورتها أقلام الكتّاب وألسنة المتكلمين من مقدمي البرامج والمدرسين والمدورئين*، وربما تزيد سماجتها إن كتبتها ههنا لتفاقم حالات الانقطاع والعودة إلى هذا المنبر الذي نسجت عناكب النسيان شباكها بين جنباته، إذ آخر ما نُشر فيه كادت أن تمر عليه السنة، إلا أني ما يبث فيَّ الأمل وجود بعض الزيارات المتفرقة التي تُظهرها لي إحصائيات الموقع، وإن كنت أتوقع أنها من الأشباح الآلية التي تبحث عن المخالفات وما يخرق قوانين المجتمعات الإلكترونية. الحاصل، ها نحن مرة أخرى نستأنف نثر الهراء وأشتات الأفكار والمشاعر التي قد يجد فيها الآخرون مرآة لهم، أو إجابات عما يعتلج في صدورهم من سؤالات، أو -في أفضل الأحوال التي أستبعد وقوعها- فائدةً تضيء لهم دروب الحياة المعتمة، التي صار الكل يقطعها وحيدًا، إما لاستنكافه من الرفقة، أو لعدم وجدانه الرفيقَ أصلًا. هذا المكتوب هو إشعار بالبدايات الجديدة المتأخرة، والتي كان من المفترض أن تنطلق من أول أيام السنة الميلادية 2025، والفرض كذلك أن يكون حوارًا مكتوبًا مع الصديقة المتفننة خيرية يجمع أشتاتًا عن الكتابة والفن والمجتمع، لكن الكسل ...

اليوم الرابع والخمسون بعد المائتين | لن تخرق الأرض

مهما أخبرت الإنسان بمحدودية طاقته، وقصور قدرته، لا يقتنع بقولك وإن أفنيت عمرك في تبليغه؛ ذلك لما جُبل عليه من الاعتداد بالنفس والرأي؛ وراثةً إبليسية، ونزعةً فرعونية، و طِباعًا خِراشِيّة . لهذا ترى غير المعتقد في نفسه المحدودية والقصور يضيع العمرَ تلفّتًا وتفلّتًا بين أهواء شتى، لا يجني شيئًا من وراء آجامها، ولا يعثر على طائل تحت أستاها. وبعض الناس -أسفًا- عندما يسمعونك تبشر بالمحدودية والنقص؛ يظنونك داعية إحباط وتثبيط، يبشر بالتقاعس والخلود إلى الأرض والرضا بالقليل والدون. وهذا أصدق مصاديق قول قائلهم: وكم عائب قولًا صحيحًا     وآفته من الفهم السقيمِ لأن سقف المحدودية والقصور عالٍ في نفسه، يسع كل القمم، ولا تبلغ آخره الهمم. ولا يدرك هذا المعنى المشتت طالبَ كل شيء؛ فهو لا يسمع من هذه القالة إلا ما ذكرتُ من معاني السوء والنقص. لأن المقصود بالتذكير بالمحدودية والقصور؛ قصر همة المرء على قليل ينقطع إليه يحسنه، فيتوصل به إلى كثير يريده ويشتهيه،، لا منع الهمة من التطلع والتشوف إلى المعالي التي هي داخلة في المحدودية والقصور. ومن مقاصد التذكير بهذا كذلك؛ تفتيح بصيرة المرء على حقيقة الدن...

اليوم الثالث والخمسون بعد المائتين | على المحك

أعسر ما يواجهه أرباب الأقلام والمنتمين إلى صنعة الكتابة؛ العودة بعد الانقطاع، وإنهاض المارد من السبات. خاصةً إن طال الوقت بين الكَتْبة وأختها، أو انشغل البال بكتْبة يُجبر عليها؛ فإن شحم سيور الإبداع يجمد، وعضلة تفكير الدماغ تضمر، ويأخذه حين يمس القلم صرعٌ كمس الشيطان، ويسمع ضجيجًا كصلصلة الجرس، إلا أنه لا إلهام بعدهما ولا وحي عند انفصامهما. والذي يزيد الطين بلة، والروح علة؛ انشغال البال بأمور المال والعيال، وحمل القلب ألوان الهموم التي لا يسطيع لها دفعًا -والتاء محذوفة قصدًا- ولا يزيده التأمل فيها إلا غمًا. فكيف يكون الحال إن زاد على ذلك صبوحٌ وغبوقٌ مشبعٌ بآلام الأهل ودماء أوصال الجسد؟ وقيود تثقل اللسان وتحد مدى الصوت، بل تغلق الباب دون الشد والمؤازرة المطلوبان من كل فرد انتمى لجنس الإنسان؟ حينها تغيب الغاية والأهمية عن أفق الناظر، ويُحتقر كل حرف أسالته المحابر، ويسيطر الحرج على الشعور والوجدان، إذ غاية ما في السعة كلام؛ وما من شيء أشبه بالقوة من الكلام، ولا شيء أشبه بالضعف من الكلام. ولا يبقى معزٍ إلا الخروجُ بهذه القوة الضعيفة أو الضعف القوي من زمرة الشياطين الخُرْس أو المخذّلين طوا...

اليوم الثاني والخمسون بعد المائتين | ما اسمها؟

من تأمل في أفعال الإنسان المعاصر، يجد أن قائمة الأشياء التي يتحرّج من الحديث فيها والتطرق إليها بمدح أو قدح يزيد طولها يومًا بعد يوم، كأنه يدفع من حرية الفكر مقابلًا لحرية الفعل، وحتى الأخيرة الإنسان مغشوش مغبون فيها، فهي لا تصفو لأحد البتة، مهما زادت سعة الحدود المقيّدة لهذه الحرية، فهي غير مطلقة ولا تصدق الحرية عليها إلا جزئيًا. فتسميتها بالحرية تجوّز أو مجازفة، خاصةً والحال كما نعيش اليوم تحت اضطراب العالم والمبادئ التقدمية، فمهما بلغت حرية التعبير والفكر والفعل في بلد من البلدان التي صدعت رؤوسنا سنين عددًا بالتنظير للأخلاقيات والمبادئ، والتحقير لنا ولثقافتنا، فإنك لن تُعلن أبدًا حرفًا واحدًا تُشم منه رائحة تشكيك أو تقليل من أحقية وواقعية هذه القضية أو تلك إلا وقامت الدنيا ولم تقعد إلا عليك. مع أنك في طرحك هذا لم تدعُ إلى عصبية، أو كراهية، أو معاداة، بل كل ما فعلتَ لا يعدو أن يكون طرح فكرة تخالف ما تسالمت عليه الأعراف التي قامت على عدم التسليم للأعراف -واضحك ما شئت من المفارقة-، أو أنك سمّيتَ الأشياء بغير ما اعتادوا على تسميته، واضحك ما شئت أن تضحك من مفارقة أننا تعاهدنا في خطاب...

اليوم الحادي والخمسون بعد المائتين | جوابي الأفضل لسؤال (ماذا أفعل؟)

في عصر الفراغ وسيولة الأشياء وطغيان الفردانية والاستقلالية عن كل جماعة يحصل أن يقدّر الله سبحانه خرق هذه الأعراف بجمع كلمة الناس على أمر واحد ذي معنى قد يتفاوت وضوحه، راغبين فيه، لا يدفعهم إليه شيء إلا ضمائرهم، يفعلون ما يستطيعون لأجله زُرافات ووُحْدانا، متّحدين محاولين تغيير الواقع بما هو ممكن إلى ما هو إما ممكن أو مثالي. والعاملون للأخير حالمون سقف توقعاتهم أعلى مما ينبغي، وسرعان ما سيخر عليهم السقف من فوقهم، ويستيقظون بعد صدمتهم من الواقع، فمتطرف ومنحل. وهذان الصنفان من الناس لا يسمعون، وإن سمعوا لا يعقلون، وإن عقلوا لا يعملون، صم بكم عمي فهم لا يرجعون، إلا إن أدركتهم الألطاف. والانشغال بهم تضييع للوقت والجهد فيما لا ينفع، اللهم الدعاء لهم. أما العاملون بالممكن للممكن فسقف توقعاتهم قريب، لا يحمّلونه أكثر مما يحتمل، فلا يخافون وقوعه عليهم، لكن سرعان ما ستخفت جمرة اجتماع الإنسانية، وتنقطع أنفاس العاملين، و(ينفضّ المولد)، وتعودُ -تقديرًا من الله لحكم لا يعلمها إلاه- كلمةُ العصر بالانفراد هي العليا، وكلمة الناس بالاجتماع هي السفلى، فمتشاغل ومتسائل. والمتشاغلون يتفاوتون في معرفةِ حكم...

اليوم الخمسون بعد المائتين | القدر والنصيب من فوائد قولهم (سل المجرّب لا الطبيب)

 ما يفتأ الصغير يتطلع إلى اليوم الذي يكبر فيه، بل لا يصده عن ادعاء الكبر شيء كلما أمكنه أن يكذب بشأن سنه، فهو لا يرى من الأمر إلا الجانب المشرق المضيء، الذي يفعل فيه ما يحلو له كما يتخيل، لا يستيقظ مبكرًا للذهاب إلى المدرسة، يأكل ما يشتهي من مطاعم الوجبات السريعة، يقبض مالًا في يده يشتري به ما يريد، وعنده سيارة أو قادر على القيادة على الأقل، ينام متأخرًا لأن ليس شيء ممنوع عن الكبار. ثم إذا بدأ يكبر فعلًا عند خط الشنب واكتظاظ العذار إن كان صبيًا، وإعصار النهدين وحضور العذر إن كانت جارية؛ توهم أنه فارق الصبا وما حوى، وولج الرشد والكمال من أوسع الأبواب، غير مسلّم إلا لتجربته، كأنه أول الناضجين. وأنا عندما أنظّر بهذا الكلام عن حال الصغير إنما أقوله عن خبرة سابقة وتجربة طويلة، وبوصفي أحد الصغار -سابقًا- أوافق على ما قلتُه، خاصة آخر جزء منه، أعني عدم التسليم لتجارب الغير أو عدم التسليم إلا بالتجربة الذاتية، ويا لبؤس ما لاقيتُ من عدم إصغائي، وقلة اكتراثي، واعتدادي بنفسي ورأيي. وأشد ما كان من هذا؛ الفخاخ والمصائد المصوّرة على هيئة البشر. وهي -أو هم- أنواع وأشكال وأصناف، يختلفون باختلاف غاي...

اليوم التاسع والأربعون بعد المائتين | مرآة الزمان لما كان | عود على بدء

لم أتوقف عن الكتابة لما توقفت عن النشر، وحتى النشر لم أتوقف عنه إلا هنا، فقد نشرت محاولاتي الأولى لإعداد وكتابة المحتوى الوثائقي، وظهر اسمي على شاشة التلفاز! خطوة كبيرة لأحلام صغيرة داريتها بكفّي، لأبقي شعلتها حية، فرياح التغيير تعصف، والشموع لا تقوى على الأنفاس بلْه العواصف. توقفتُ للعمل -قصورًا- لئلا يكون مني تقصيرًا تجاه ما أوكل إليّ من مهام لعلها تحدد ملامح الطريق إلى المستقبل، فإني إن أخفقت فيها قد أضيّع طريقي فلا أصل إلى وجهة، ولا أعرف طريقًا إلى جهة. قابلتُ الكثير من المبدعين الجدد الذين لم أعرفهم، وجددت عهدي بمبدعين طالت مجالسي معهم يد الزمان ففرقتنا، واجتمعنا بعد طول تطلع وانتظار -على الأقل من جهتي- لحصول هذا الاجتماع. أن أرى فيه المياه على ما كانت عليه من سريان وجريان، أن أتذوّقها مرة أخرى فأجد طعمها لم يتغير، وأن ما تُرك بقي على ما كان، وأن ما ظهر من مطالع وطوالع لم يعدُ أن يكون قشرة المظهر.  ما أكثر الغبار الذي تراكم على الأصابع، ولوحة المفاتيح، والمكتب، والعقل، والأفكار، والسياق، والأخلاق، والأعراف، والتقاليد، والإنسانية اللعينة؛ التي تكشفت عن وحشية حيوانية وهمجية بربر...

الأيام من الثالث والأربعين إلى الثامن والأربعين بعد المائتين | دواء الاستطباب من إمساك الكتّاب

هذه مقالة نويتها مشروعًا مستقلًا خارجَ الأيام داخل الرسائل، إذ هي جواب لبعض فضلاء الكَتَبَة، لكني لم أكملها لظروف عرضت. ولما كان الوحي قد انقطع عني، وشيطاني فقد الرجاء مني، رأيتُ أنفع ما أشغل به نفسي -ما دمتُ لا أكتب- أن أكتب عن إمساك الكتّاب الذي أصابني، فعدتُ إلى المقالة مستثمرًا وجود مقدمتها لأبني عليها، فالإكمال أخف على النفس من الابتداء.  بسم الله الرحمن الرحيم "اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل، ونعوذ بك من التكلّف لما لا نحسن كما نعوذ بك من العجب بما نحسن، ونعوذ بك من السلاطة والهذر، كما نعوذ بك من العِيّ والحَصَر، وقديمًا ما تعوذوا بالله من شرهما، وتضرّعوا إلى الله في السلامة منهما. أعذني ربِّ من حَصَرٍ وعِيٍّ     ومن نفس أعالجها علاجًا" * الحمد لله خالق الإنسان، معلم البيان، منزل القرآن بأفخم لسان، على قلب أفصح من نطق بالضاد، خير العباد وملجأ الكل في يوم التناد، سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وصحبه ومن بهديه اقتدى ولشرعه انقاد. وبعد،  فقد قرأت كتابك وفهمت ما فيه، وهذا جواب سؤالك -شفاك الله وسلمك- وعلاج ما تعانيه، ...

تذكرة كاتب | طول النفس

نفسي طويل جدًا إلا في أمر واحد؛ الكتابة بكل أشكالها وألوانها وأنواعها وأطوالها وموضوعاتها، تجدني مختنقًا بها مزرقّ الوجه لقلة الأوكسجين، مع أني أقضّي أوقاتي كلها هربًا إليها، مشغول البال بما سأتركه مني فيها ضريبةً، وكل الضرائب عائدة في الحقيقة لضريبة واحدة، وهي انكشاف شيء من الكاتب لكل قارئ، فيغدو بعد تنكّره وتقنّعه مفضوحًا مكشوفًا معروفًا. ولا يسلم مرء عُرف في زماننا هذا، فكلهم متصدّر بارز لحتفه السيَريّ [نسبة للسيرة] واغتياله المعنوي، صائر -لا محالة- مضغةً في أفواه الماضغين، قليل الناصرين والمؤيدين -عادةً- كثير الطاعنين والناقدين. هذا لمن نشر ما حاك على الملأ والجماهير، أما من تستّر وتسردب وعلى نفسه انكفأ، فهو سالم وضامن لسمعته ما لم يخالف.

الأيام من الرابع والثلاثين إلى الثاني والأربعين بعد المائتين | كلنا خِراش

 كان -وما أكثر ما كان- في قديم الزمان رجل اسمه خِراش، خرج للصيد يومًا ولم يظفر بشيء، فنام عند صخرة آوى إليها، وساقت الأقدار إلى موضعه سربًا من الظباء يرعى حوله. استيقظ على أصواتهم، فأمسك قوسه ونثر كنانته بين يديه. وكلما توجّه بسهمه إلى أحدها رأى أسمن منه، فيطمع فيه، فيتوجّه إليه حينًا حتى إذا أراد رميه، رأى آخر أسمن، وبقي على حالته تلك، متوجّهًا كل آنٍ إلى ما أطمعته فيه الشهوة وحب الاستزادة، حتى انقضى النهار، وتفرق السرب، ولم يصد شيئًا فقيل عن حاله: تكاثرت الظباء على خِراش فما يدري خِراش ما يصيدُ فصار خِراش مضربَ المثل في الطمع وتفرّق الهمة. وكل من نظر في نفسه، وأنصف في نظره، وجد فيها خِراشًا طمّاعًا مفرّق الهمة بين الأشياء، مشتهيات أو محبوبات أو هوايات أو اهتمامات أو استثمارات أو هموم أمة أو قضايا مجتمع أو أحلام يقظة أو أطماع مستقبل، عد ما شئت فما أكثر موقدات الطمع ومشعلات الشهوة ومفرّقات الهمة. وخِراشات النفوس تتفاوت قوةً وضعفًا، ورعونةً وطوعًا. واختلفوا في الوجود والعدم؛ فقالت المعمِّمَة: لكل نفس خِراشها، منها وفيها، إنما يغلبه الموفق، فإما أن يقوده أو يميته. وهذا القدر يشت...