اليوم الثاني والخمسون بعد المائتين | ما اسمها؟
من تأمل في أفعال الإنسان المعاصر، يجد أن قائمة الأشياء التي يتحرّج من الحديث فيها والتطرق إليها بمدح أو قدح يزيد طولها يومًا بعد يوم، كأنه يدفع من حرية الفكر مقابلًا لحرية الفعل، وحتى الأخيرة الإنسان مغشوش مغبون فيها، فهي لا تصفو لأحد البتة، مهما زادت سعة الحدود المقيّدة لهذه الحرية، فهي غير مطلقة ولا تصدق الحرية عليها إلا جزئيًا. فتسميتها بالحرية تجوّز أو مجازفة، خاصةً والحال كما نعيش اليوم تحت اضطراب العالم والمبادئ التقدمية، فمهما بلغت حرية التعبير والفكر والفعل في بلد من البلدان التي صدعت رؤوسنا سنين عددًا بالتنظير للأخلاقيات والمبادئ، والتحقير لنا ولثقافتنا، فإنك لن تُعلن أبدًا حرفًا واحدًا تُشم منه رائحة تشكيك أو تقليل من أحقية وواقعية هذه القضية أو تلك إلا وقامت الدنيا ولم تقعد إلا عليك. مع أنك في طرحك هذا لم تدعُ إلى عصبية، أو كراهية، أو معاداة، بل كل ما فعلتَ لا يعدو أن يكون طرح فكرة تخالف ما تسالمت عليه الأعراف التي قامت على عدم التسليم للأعراف -واضحك ما شئت من المفارقة-، أو أنك سمّيتَ الأشياء بغير ما اعتادوا على تسميته، واضحك ما شئت أن تضحك من مفارقة أننا تعاهدنا في خطابنا (عدم المشاحة في الاصطلاح).
خلاصة القول: تعلّم أسماء الأشياء -مستحضرًا التعليم الأول لأبيك عليه السلام- أولًا، ثم لاحظ أثر تغيّرها على تعاملك مع مسمياتها ثانيًا، وكيف صار لسانك يبادر بالتسميات التي أريد لها أن تكون الطبيعية في الخطاب والتفكير ثالثًا، وأخيرًا عاملًا بـ جوابي الأمثل لسؤال (ماذا أفعل؟) فإن هذا وذاك من معين واحد لأمر واحد صالحان لكل شخص وفئة وطائفة وأمة.
تعليقات
إرسال تعليق