اليوم الثالث والخمسون بعد المائتين | على المحك

أعسر ما يواجهه أرباب الأقلام والمنتمين إلى صنعة الكتابة؛ العودة بعد الانقطاع، وإنهاض المارد من السبات. خاصةً إن طال الوقت بين الكَتْبة وأختها، أو انشغل البال بكتْبة يُجبر عليها؛ فإن شحم سيور الإبداع يجمد، وعضلة تفكير الدماغ تضمر، ويأخذه حين يمس القلم صرعٌ كمس الشيطان، ويسمع ضجيجًا كصلصلة الجرس، إلا أنه لا إلهام بعدهما ولا وحي عند انفصامهما.

والذي يزيد الطين بلة، والروح علة؛ انشغال البال بأمور المال والعيال، وحمل القلب ألوان الهموم التي لا يسطيع لها دفعًا -والتاء محذوفة قصدًا- ولا يزيده التأمل فيها إلا غمًا. فكيف يكون الحال إن زاد على ذلك صبوحٌ وغبوقٌ مشبعٌ بآلام الأهل ودماء أوصال الجسد؟ وقيود تثقل اللسان وتحد مدى الصوت، بل تغلق الباب دون الشد والمؤازرة المطلوبان من كل فرد انتمى لجنس الإنسان؟

حينها تغيب الغاية والأهمية عن أفق الناظر، ويُحتقر كل حرف أسالته المحابر، ويسيطر الحرج على الشعور والوجدان، إذ غاية ما في السعة كلام؛ وما من شيء أشبه بالقوة من الكلام، ولا شيء أشبه بالضعف من الكلام.
ولا يبقى معزٍ إلا الخروجُ بهذه القوة الضعيفة أو الضعف القوي من زمرة الشياطين الخُرْس أو المخذّلين طوالع النحْس؛ فكلامه -وإن هان أمره- عمل وحركة مسؤول عن فعلها وتركها، وروح وحياة نافخة في أبدان غيرها. والظنُ برغبة الأهل والأوصال في بقائها ودوامها، فهي على ما فيها مبقية للذِكْر داعية للتذكّر.

وإن خبُثت النية وساءت الطوية -ولا أحكام هنا إلا لفيضان الشعور-؛ فالمعزي ضرورة استمرار الحياة، وحتمية استمراء المصائب، واستدارة فلك التاريخ ووقائعه؛ فما أشبه الليلة بالبارحة، وما يدريك لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا.

فيصل، لا اعتبار لما يفعل
16 شعبان المكرّم 1445هـ
26 فبراير 2024م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بارق التجليات في ذكر شيء من نوادر المخطوطات

اليوم الأخير

أشتات عن المسلسَلات