الأيام من الرابع والثلاثين إلى الثاني والأربعين بعد المائتين | كلنا خِراش

 كان -وما أكثر ما كان- في قديم الزمان رجل اسمه خِراش، خرج للصيد يومًا ولم يظفر بشيء، فنام عند صخرة آوى إليها، وساقت الأقدار إلى موضعه سربًا من الظباء يرعى حوله. استيقظ على أصواتهم، فأمسك قوسه ونثر كنانته بين يديه. وكلما توجّه بسهمه إلى أحدها رأى أسمن منه، فيطمع فيه، فيتوجّه إليه حينًا حتى إذا أراد رميه، رأى آخر أسمن، وبقي على حالته تلك، متوجّهًا كل آنٍ إلى ما أطمعته فيه الشهوة وحب الاستزادة، حتى انقضى النهار، وتفرق السرب، ولم يصد شيئًا فقيل عن حاله:
تكاثرت الظباء على خِراش
فما يدري خِراش ما يصيدُ
فصار خِراش مضربَ المثل في الطمع وتفرّق الهمة.

وكل من نظر في نفسه، وأنصف في نظره، وجد فيها خِراشًا طمّاعًا مفرّق الهمة بين الأشياء، مشتهيات أو محبوبات أو هوايات أو اهتمامات أو استثمارات أو هموم أمة أو قضايا مجتمع أو أحلام يقظة أو أطماع مستقبل، عد ما شئت فما أكثر موقدات الطمع ومشعلات الشهوة ومفرّقات الهمة.

وخِراشات النفوس تتفاوت قوةً وضعفًا، ورعونةً وطوعًا. واختلفوا في الوجود والعدم؛ فقالت المعمِّمَة: لكل نفس خِراشها، منها وفيها، إنما يغلبه الموفق، فإما أن يقوده أو يميته. وهذا القدر يشترك فيه معهم المستثنية، إلا أول جملة منه، فهم يخالفون المعمِّمة في كلية القضية. قال أبو المُنخُل المصفّى بن المنتقي الفَرْزاني شيخ المستثنية في تصنيفه الموسوم بـ (كف الأذى وفض الهِراش في تنزيه النفوس المصطفاة عن خِراش): فإنا كنا وما زلنا نشاهد بعض النفوس مجموعة الهمة على ما تريد ولما تُحل تمائمها، باقية على ذلك حتى شيخوختها، لا تترك أمرًا حتى تأتي على تمام مرادها منه. وهذا دال على انتفاء خِراش عن بعض النفوس أصالةً، بلا تعمّل أو مجاهدة، فالطفولة محل بروز صفات النفس الصرفة. انتهى. وهو الصواب، وبسط أدلته لا يحتمله المقام، وتفصيل حال المصطفين ليس يلزمنا فيه الكلام، فموضوعنا عمن ابتلي بخِراش نفسه.

هذا، وإن من لطف الله بعباده أن أجرى عادته بإمكان تقزيم وتحجيم خِراش النفس وامتلاك زمامه أو إعدامه بالتربية والتأدب، ولا يقبلها -عادةً- إلا من تيقّظ وفهم الإشارة، وأدرك أن أيام العمر قليلة ومظاهر الوجود كثيرة، وأن صرف العمر في تحصيل الكل ضياع لا فلاح فيه، وأن الاقتصار على البعض دون غيره ملزم بحسن الاختيار والحكمة في الاتخاذ.
ولا تحسبن اليقظة عاصمة من خِراش، أو أن العلم بوجوده كافٍ في اتقاء أثره، فالسكّير عالم بضرر الخمر الحسي والمعنوي، يجد من نفسه اشتهاءها له، ولا يعصمه ذلك من استهلاكه. والعاقل من اتعظ بغيره.

فيصل، يعود بعد قليل
29 صفر 1445هـ
14 سبتمبر 2023م

تعليقات

  1. عندما يبدع الطرح وتناغم الكلمات في سردها وتحمل المعاني العبره في الهمم وانجازها يبقى هناك من يسطر اوتار من الجمل التي ترقى في الوصول للقمم

    ردحذف
  2. أظن خِراش مع علمه أن القناعة كنز لا يفنى، لن يثنيه ذلك عن الركض وراء كل ظبي يراه ويظن أن ذلك الذي يركض هو الصيد السمين الثمين، وحال خِراش يمثّل حالة إنسانية في الركض وراء ما ليس في اليد حيث نظن أنه أثمن وأفضل، ولو تأمل الإنسان حاله قليلًا لعلم أن ما في يديه -مع القناعة والرضا- خير له مما ليس في يديه، والأمر فيه مجاهدة حقيقية وصدّ وردّ ومحاولات وخيبات، هذا والله أعلم.

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بارق التجليات في ذكر شيء من نوادر المخطوطات

اليوم الأخير

أشتات عن المسلسَلات