أشتات عن المسلسَلات
بلغني أيها الخل الوفي والكريم السخي أن رمضان موسم، تتكدس فيه أكوام البشر على أشياء شتى، فتراهم أمام الفوّال طوابيرَ لا آخر لها، وكذلك الكيّال، والبقّال، والقالي*، والسوبياوي**، والسنابيسي***، وغيرهم من أرباب أطايب المآكل والمشارب. وليس هذا حصرًا عليهم، فهم يزدحمون على الأسواق، والمقاهي، والمساجد، والبسطات، وطاولات "الفرفيرة" وتنس الطاولة، وشاشات التلفزيون أو التلفاز أو الرائي كما حلا لبعضهم تسميته!
وأكثر ما يُنتج في موسم رمضان أو له -غير المأكولات والمشروبات- المسلسلات، وهي العروض المتلفزة التي تحكي قصةً واحدة أو قصصًا متعددة تشترك في قاسم ما؛ كالكوميدية، أو الدرامية، أو النقد للظواهر الاجتماعية... إلخ من أغراض الكتّاب والمنتجين، التي عادة ما تتأثر بقرارات المخرجين بمختلف أماكنهم، إن خلف الكاميرات وفي "البلاتوهات"، أو المكاتب الفخمة الضخمة، المصنوعة من خشب الصنوبر أو الزان، المنضدة غرفها بالمقاعد الجلدية التي تئط بجالسيها لأدنى حركة منهم. وهي لهذا ولأسباب غيره مسلسِلة وإن كانت مسلسَلة، إذ تزرع في المرء -مدركًا أو لا- مفاهيمَ وأفكارًا لا يبعد أن يتبناها قريبًا، أو يُطبع معها على الأقل، وهذا مشاهد محسوس من نفس المرء أو في غيره، ومنكره ساقط عن رتبة الخطاب. وآخرها ذاك المسلسل التاريخي الجاهلي، الذي تخاطب فيه أمًا ابنها بأبعد ما يكون عن خطاب الجاهليين بعضهم لبعض، إذ تقول له (أنت إنجازي الأعظم)، واضحك ما شئت أن تضحك من ركاكة التعبير أو سُخف الفكرة التي وراء عملها ما وراءه من طفولية مذهبية أو شعوبية أو كلاهما.
هذا، ومن طريف أبواب اللغة والمنطق وظريفها ما عُرف بالمشتركات اللفظية، وهي الألفاظ التي تتحد في الصورة وتختلف في المعنى، كالعين؛ فهي الجارحة الباصرة، والأموال من الذهب خاصةً، والجاسوس، والعناية، والحب؛ كقولك (أنت عيني)، وموضع الماء النابع من الأرض بلا فعل فاعل.
وإن كانت الشياطين تُصفد في رمضان -والتصفيد هو التقييد والسَلسَلة- إلا أني أظن شيطاني نجا من هذا، أو أن نفسي الأمارة ما زالت حية توسوس لي؛ ففكرة ما أكتب الآن جاءتني وأنا أصلي العشاء! الحاصل، والمسلسلات -غير ما ذكرت أعلاه- هو نوع من الأحاديث النبوية التي اتصلت أسانيدها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفة مخصوصة، والأسانيد جمع سند بفتحتين، هو سلسلة الرجال التي تروي الحديث. مثلًا الحديث المسلسل بيوم عاشوراء، كل شخص في سنده لما حدَّث به: (سمعته في يوم عاشوراء) إلى الصحابي أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه، قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وصيام يوم عاشوراء، إني أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبلها. وكذلك الحديث المسلسل بالأولية؛ وهو الذي جرت عادة المشايخ أن يرووه للطلاب الذين يتلقون عنهم العلم لأول مرة؛ فتجد من في سلسلته يقولون عند روايته عمن فوقهم: (وهو أول حديث سمعته منه)، إلى غاية الغايات صلى الله عليه وسلم، قال: الراحمون يرحمُهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمُكم من في السماء، وفي رواية يرحمْكم من في السماء بالجزم.
ولك أن تقارن خِلّي بين ما يسلسلك بما ذكرتُ من تطبيع أو تشويه، وما يسلسلك برحمة أو تعبد، فتخيّر جليسك وما تأنس به، فالعمر قصير، والسفر بعيد، وما هي إلا سويعات فنعيم مقيم أو عذاب الجحيم. ولستُ في موقفي هذا أعظك، إذ أنا ممن شاهد المسلسلات وما زال يشاهدها، بل أشاهد ما يُعتبر عند بعض الأراذل أرذلها، وهو الرسوم المتحركة اليابانية. كما أن أحق ما وقع عليه إدراكي بالوعظ هو نفسي، فلعلي إن وُصفت بالوعظ أكون واعظها، وهيهات أن تسمع لي، فإذا كان ناي الحي لا يطرب أهلَه، وأزهد الناس في العالم أهلُه، فأنى للواعظ أن تتعظ نفسه بكلامه!
فيصل، يتعرض لما يتوهم فيه حتفه
4 رمضان الكريم 1446هـ
4 مارس 2025م
*القالي: بائع المقليات، كاللقيمات والقطايف.
**السوبياوي: بائع السوبيا، وهو من مشاريب بلاد الحجاز ومصر المعروفة، تُتخذ من الشعير أو جوز الهند.
***السنابيسي أو السنبوساوي: بائع السنبوسج أو السنبوسك، وهي عجين محشو باللحم أو الخضار أو البيض أو بهم جميعًا.
مستوى الانكشاف في التدوينات ازداد بشكل ملحوظ، وهذا أضاف أُلفة محببة عند القراءة لسبب أو آخر، ربما فعلًا أحب القراءات لقلبي ما ترجم أفكاري لكلمات. سلمَ قلمك فيصل.
ردحذفنيالنا أو نيالك بصديق مثل أسامة يشاركنا ما تكتب ويصلنا بمدونتك
ردحذف