المشاركات

عرض المشاركات من يونيو, 2023

اليوم الرابع والستون بعد المائة | فعل ماضٍ

 في سنتي الأولى من دراستي في الجامعة الإسلامية، في الفصل الثاني منها تحديدًا، بدأت رحلتي لاختبار الصبر وطول النفس وكظم الغيظ وإغضاء الطرف عن الخلل وكبح النفس عن الجدل، فالفصل الأول في كلية الشريعة مر بسلام ظاهري عام، لم يعكر صفوها إلا مرة سألت فيها مدرس مادة التوحيد عن نية حسنة وطلبًا للعلم عن معنى الإصبع، ودار بسببها نقاش طويل بين المدرس وبقية الطلبة إلايَ، إذ سؤالي قام بالمراد منه على أكمل وجه، استثارة مكمون "فطرة" الطلاب واستهجانهم لإضافة ما لا يليق من نقص إلى الكمال المطلق. أما الفصل الثاني فهو الأول في كلية الدعوة وأصول الدين، وهنا كان امتحان ما ذكرت. لن أحكي عن ضعف المخرجات الأكاديمية، ولا عن فقر المناهج التعليمية، ولا عن جهل الدالات الفاحش، وإن كان للأخير دور مهم في الرحلة. تلمذت في المستوى السابع من مادة التوحيد -ولا تسألني عن سبب كثرة ذكرياتي معها- لعميد الكلية السابق في وقتها، وأظنه الآن صار أسبقًا، وعمادة الكلية أفترض أنها -ككل منصب قيادي مؤثر- لا تصرف إلا لمستحقها علمًا وعملًا، مثلها مثل إمامة الصلاة. وقد كان لطف الله به حيًا وميتًا آية في الجهل المكعب، فهو جاهل، ...

اليوم الثالث والسبعون بعد المائة | كم وكيف؟

في عالم لا تشرق شمسه إلا على الغريب والشاذ يصبح الطبيعي والعادي بين الناس شاذًا غريبًا، ترتبك فيه الأذهان ويحير فيه العاقل ويعقل فيه الحيران، طوام تتوالى على أقوام انسحقوا في طلب الحياة الكريمة لهم ولمن يعولون، تفجعهم، وتخطف انتباههم. ومن تظاهر بحفظ عقله تجده مشغولًا بإفساده، يعرضه مرحاضًا عموميًا لكل عابر، لا يهمه ما يلقى فيه وإن تظاهر بذلك، فالظاهر هو المعيار، بغض النظر عما تحته من نتانة وعفونة. كأنك في مقبرة قوطية أو بين أهرامات الفراعنة، ظواهر مهيبة وبواطن مليئة بالموت والصمت. وحتى من يسعى حقيقةً لحفظ ما بقي له من عقل يميز به الحق والباطل، لا تراه إلا متكاسلًا مترددًا متخوفًا، يتقدم خطوة ويرجع عشرة، يخاف من انكسار زجاج مصباحه، مع انه تهشم وتحطم وذرته الرياح في حقول الشك واليقين، لكن من له بإقناعه أو تعريفه بالأمر. تعميمات يأباها المزاج العام للوثة أصابته فاختلط عليه معيار إطلاق الأحكام وتهيّب أن يعيد الأمور إلى نصابها، معذور، فلولا الشمس لما طرحت الأشجار ثمارها، ولما استقامت حياة الناس تحتها، فالظلمة قاتلة ومعطلة، والكل متجه إلى التنوير. وفي النهاية تحكم الإنسان اعتبارات كثيرة غير ...

الأيام من الرابع والستين إلى الثاني والسبعين بعد المائة | الحبس وصيد الخل الوفي

 جملة طويلة لا يُعرف لها أول من آخر أكتبها بلا توقف نازعًا منها علامات الترقيم معوضًا بها تقصيري الكتابي ولا أراها تكمل آخر السطر الذي أمامي لأتوقف عن رقم الكلمات فيها لكني الآن وصلته وزدت بنصف الثاني تقريبًا، عيد سعيد، كل العالم يبتهج فيه ويفرح به ويبالغ في إظهار السرور، إلا محتضني حدثه الأكبر، يغلب عليهم الكسل تجاهه والتنقص منه وعدم الاكتراث به وانشغالهم بالسفر والتنزه عنه، مع أنه الأعظم شأنًا والأعلى منزلةً. أردت تسجيل رأيي عن هذا الأمر لا أكثر بحكم الوقت وضرورته، أما ما أنا بصدد الحديث عنه فهنا نفتح ملف الحيرة، ونباغت الحبسة في حبسها، ونحل العقد، ونجلب الحبيب، ونكشف المستور. لكني تنزلًا مني على غير عادتي سأتجنب هذا الأمر، وأنصاع إلى نصيحة أسداها لي الخل الوفي -وهو -وإن لم تصدق بوجوده- جوهر قائم بذاته موجود متحقق في الخارج، ولا سبيل إلى معرفة هذه المسألة -أي وجوده وتحققه- إلا بالذوق والمنازلة والمشاهدة- في يوم راقت بداياته لي بالخفة والإنجاز، فالاجتماعات ما بين مؤجل وملغى، والمهمات تنتظر التغذيات الراجعة في تململ، وتشعشعت أواسطه لظهور الخل الوفي بالفخر والاعتزاز، فهو لا يظهر إلا...

الأيام من التاسع والخمسين إلى الثالث والستين بعد المائة | الترحال بين الأقوال

شروق وغروب، وشروق وغروب، وشروق وغروب، وشروق وغروب، وشروق وغروب، وأنا جالس أمام لوحة المفاتيح حائرًا، لا أقيم حرفًا على حرف، أسائل نفسي إن كان الأفضل إكمال قصة سوق رمزي بن فكري -كما وجهني كثيرون- أم أكتفي بما كان فيها، إذ هي -على الأقل عندي- مكتملة الرسالة والمعنى، وإن لم يصل إليهما الكل. قد تكون عندي القدرة على الانتقال من كتاب في فن إلى كتاب في فن آخر أبعد ما يكون عن الأول، وأقرأ في كليهما على التوازي بسلاسة، إن مللتُ هذا نظرت في ذاك، وإن سئمت من ذاك عدت لهذا. قد يكون كذلك الأمر في كتابة الإعلانات أيضًا، أكتب عن حقول الذرة في بلاد ما وراء الوراء، ثم أكتب خطابًا من سمو إلى معالٍ، أو معايدةً من معالٍ إلى دناة، ثم أنتقل لصياغة إعلان عن الخروج المنتَظر لنتائج اختبارات مستويات إدراك الدواجن للاحتباس الحراري، هذا أمر مقدور عليه، ربما. لكن أن يكون الانتقال بين كتابات يفترض أنها أدبية، أو إبداعية كما يحلو للبعض تسميتها "ألقاب [مكتبة]...إلخ"، مدادها روح، وسداها شعور، ولحمتها معنى، فذاك أمر أقل تفكير فيه يحجزني عن إتيانه، لم أجربه، لكن الرغبات والخواطر تعتلج في صدري للإقدام عليه، وبذل...

الأيام السادس والخمسون والسابع والخمسون والثامن والخمسون بعد المائة | سوق رمزي بن فكري

الزحام شديد في الممرات، الأكتاف تتدافع، والأنفاس تتداخل، والأجساد تتلاصق، الحركة لا تكون إلا بشق الأنفس، تجر رجليك، يداك تدفع الناس محاولةً إفساح الطريق قليلًا لتتحرك عن مكانك مقدار أصبعين، بُسُط الباعة تملأ الأرض، صياح المتجولين منهم يصم الآذان، الدكاكين متلاصقة وبعضها متداخل في بعضها، والكل ينادي على سلعته، زاعمًا انحصار الجودة والكمال فيها، وأن جيرانه ما عندهم إلا الكساد والبوار والفساد. في بعض الأيام تجد المشترين والمرتادين للسوق بدؤوا في عرض بضاعتهم، وتراهم في لمح البصر انقلبت هوياتهم أو أوصافهم وصاروا من الباعة والمتجرين، يضطرب الباعة الجدد، ويستغرب كبار السوق -لبعدهم عن المشهد والواقع، حقيقةً لا مجازًا، سأحكي لكم عن منصتهم في الفقرة التالية- ويشتركون في إرادة إزاحتهم وإخراجهم من السوق. البرج العاجي أو منصة الكبار لتصل إليها لا بد لك من المرور بدكان قطوب بن خصيم المخراطي الوغد، والوغد زيادة بيان مني أتبرع بها لك قارئي العزيز لتحذر منه إن ساقتك الأقدار للسوق مشتريًا أو بائعًا، لأنك إن لم تشترِ منه بعد أن استعرضت ما عنده، أو زل لسانك -لا سمح الله- بانتقاد أو استقلال لجودة بضاعته أو...

الأيام من التاسع والأربعين بعد المائة إلى الخامس والخمسين بعد المائة | عصفوران بحجر

بغيض هذا الإنسان، يعرف ما يريد، ويعرف كيف يصل إليه، ولكن يأبى أن يفعل، ويقضي وقته متسولًا كيفيات أخرى ليحصّل مطلوبه. ضع أي أمر تشاء تجده خاضع لهذه القاعدة، إلا ما شذ عنها من أفراد الناس الذين يعملون بما يعلمون، ويشتغلون بكيفية الوصول التي يعرفونها، ويصلون لمرادهم. فجوة زمنية، ابتلعت ما يكفي، وحان وقت ردمها، "انتهت فترة الغداء يا أوغاد". مقدمة أردت إثباتها هنا، لا علاقة لها بما سأكتبه بعد. أينما تنظر لا ترى إلا الماء، بحر شاسع، الزرقة طاغية على المشهد، خيط رقيق لا تميزه يفصل الماء عن السماء، ووسط هذا القاموس بقعة -إن تشاءمت- تشوه المنظر، جزيرة كبيرة، غطاء نباتي سميك، سفوح جبلية مطلة على البحر، سهول ساحلية خضراء، ورمال ناعمة. استيقظ أول إنسان في حكايتنا -وهو ذكر بالمناسبة- ذات صباح، ووجد في رأسه صوتًا أكثر تعقيدًا وتفلسفا من صوته بالأمس، يدعوه للتأمل في أعضائه وأطرافه وما حوله؛ نهض من مكانه منطلقًا مطلقًا الأسماء على الأشياء، هذه أرض، هذه سماء، هذا ماء، هذه شجرة، هذه الشمس، ذاك الحيوان المفترس أسد، وتلك أنثاه لبوة،  ذاتي أنا، العضو المخصوص الذي يحصل به القبض والبسط يد، الساق ما...

الأيام من الثاني والأربعين إلى الثامن والأربعين بعد المائة | مقضومة

 سماء الأماكن النائية الخالية من التلوث الضوئي، فِراش من فَراش ملتهب، تسر الناظرين؛ هذا شهاب مرجوم يحمي السر المكتوم، وذاك كوكب سيار به الأمور تُدار، اعتقادات شتى تعلقت بالسماء، حمّلوها ما لا تحتمل، ولا سبيل لتحميل ما حُمّلت على الإنسان. فضاء واسع، بارد، مظلم، موحش، هل نحن وحدنا فيه؟ نجوم ماتت وما زال ضوؤها يشارك في كرنفال استعراض سمائنا لحسنها وبهائها، وأخرى ما زالت تلتهب مستعرة في برودة الفضاء القارسة، ظروف تبدو قبيحة لأنها قاسية، لكنها جزء من تكوين الجمال ومفهومه، كذلك أكثر صانعي الجمال، نشأوا في ظروف قاسية، عاشروا القبح، فعرفوا قدر الجمال، وبه غيروا ملامح أيامهم الباسرة. مستغرقًا في فكره، جاريًا مع تياره، يقضي حاتم جل لياليه ينظر في السماء؛ مرتبط بها كالحوت والماء، مغرم بها، معظم لها، سارح فيها، لا يشغله عنها شيء، سحرته منذ ولادته محققةً رؤيا والده ونبوءة عمته غريبة الأطوار؛ كنت في السماء على الغيوم وأراني في المنزل نائمًا، فجأة ثارت السحب والرياح، وجلجل الرعد وشعشعت البروق، وسقطت عن الغيوم لتزلزلها وتصدعها من تحتي، لم يأت في خاطري شيء سوى مرجانة، وسمعت همسها في أذني تطمئنني، و...