اليوم الثالث والسبعون بعد المائة | كم وكيف؟
في عالم لا تشرق شمسه إلا على الغريب والشاذ يصبح الطبيعي والعادي بين الناس شاذًا غريبًا، ترتبك فيه الأذهان ويحير فيه العاقل ويعقل فيه الحيران، طوام تتوالى على أقوام انسحقوا في طلب الحياة الكريمة لهم ولمن يعولون، تفجعهم، وتخطف انتباههم.
ومن تظاهر بحفظ عقله تجده مشغولًا بإفساده، يعرضه مرحاضًا عموميًا لكل عابر، لا يهمه ما يلقى فيه وإن تظاهر بذلك، فالظاهر هو المعيار، بغض النظر عما تحته من نتانة وعفونة. كأنك في مقبرة قوطية أو بين أهرامات الفراعنة، ظواهر مهيبة وبواطن مليئة بالموت والصمت.
وحتى من يسعى حقيقةً لحفظ ما بقي له من عقل يميز به الحق والباطل، لا تراه إلا متكاسلًا مترددًا متخوفًا، يتقدم خطوة ويرجع عشرة، يخاف من انكسار زجاج مصباحه، مع انه تهشم وتحطم وذرته الرياح في حقول الشك واليقين، لكن من له بإقناعه أو تعريفه بالأمر.
تعميمات يأباها المزاج العام للوثة أصابته فاختلط عليه معيار إطلاق الأحكام وتهيّب أن يعيد الأمور إلى نصابها، معذور، فلولا الشمس لما طرحت الأشجار ثمارها، ولما استقامت حياة الناس تحتها، فالظلمة قاتلة ومعطلة، والكل متجه إلى التنوير.
وفي النهاية تحكم الإنسان اعتبارات كثيرة غير المزاج العام وشروق الشمس واستقبال الأنوار، وهو في كثير من الأحوال مرغم على التوفيق بينها جميعًا، وهو أمر عسير جدًا، ولا يستطيعه المرء إلا بعناية مخصوصة، وإلا فالأكثر يستسلمون عند أول تعارض بين الاعتبارات، فيسقطون أحد المتعارضين، أو كليهما.
فيصل، حائر بين حيارى
11 ذو الحجة 1444هـ
29 يونيو 2023م
تعليقات
إرسال تعليق