الأيام السادس والخمسون والسابع والخمسون والثامن والخمسون بعد المائة | سوق رمزي بن فكري

الزحام شديد في الممرات، الأكتاف تتدافع، والأنفاس تتداخل، والأجساد تتلاصق، الحركة لا تكون إلا بشق الأنفس، تجر رجليك، يداك تدفع الناس محاولةً إفساح الطريق قليلًا لتتحرك عن مكانك مقدار أصبعين، بُسُط الباعة تملأ الأرض، صياح المتجولين منهم يصم الآذان، الدكاكين متلاصقة وبعضها متداخل في بعضها، والكل ينادي على سلعته، زاعمًا انحصار الجودة والكمال فيها، وأن جيرانه ما عندهم إلا الكساد والبوار والفساد.

في بعض الأيام تجد المشترين والمرتادين للسوق بدؤوا في عرض بضاعتهم، وتراهم في لمح البصر انقلبت هوياتهم أو أوصافهم وصاروا من الباعة والمتجرين، يضطرب الباعة الجدد، ويستغرب كبار السوق -لبعدهم عن المشهد والواقع، حقيقةً لا مجازًا، سأحكي لكم عن منصتهم في الفقرة التالية- ويشتركون في إرادة إزاحتهم وإخراجهم من السوق.

البرج العاجي أو منصة الكبار لتصل إليها لا بد لك من المرور بدكان قطوب بن خصيم المخراطي الوغد، والوغد زيادة بيان مني أتبرع بها لك قارئي العزيز لتحذر منه إن ساقتك الأقدار للسوق مشتريًا أو بائعًا، لأنك إن لم تشترِ منه بعد أن استعرضت ما عنده، أو زل لسانك -لا سمح الله- بانتقاد أو استقلال لجودة بضاعته أو مقارنة -كفانا الله الشر- بضاعته ببضاعة غيره أمامه، ستذوق الهم والغم أمر من الشلغم؛ والحاصل أنها غاية في الرداءة والفساد، لا تروج إلا على المغفلين وفاقدي معاطف الآذان وجلابيب المدارك، وإني أعيذك بالله أن تكون أحدهما أو صاحب أحدهما، فإياك إياك والوقوف عنده إذا نادى عليك، ولا تلتفت إليه إذا ناداك باسمك، أو استعطفك بتذكيرك بواقعة -تجدها في ذكرياتك فجأة ولا تستغربها- مع شخص في سنه، أبوك أو خالك أو عمك أو كل العائلة  وقطوب بن خصيم حاضر فيها، وبطلها بضاعته.

ادخل من البوابة الشمالية، هي الأقرب للمنصة، وانعطف شِمالًا واحسب سبعين سبعين دكان، وعشرين عشرين بساط من شمالِك، امشِ في الممر المقابل لبساط غواية بنت ملحان العسجدية، ستعرفها بوشاحها الأحمر وشعرها الغجري إن كنت ذا بصر، وقعقعة حليّها وضحكتها الصاخبة إن كان حاديك السمع؛ من أول الممر سترى المنصة، سبعة أعمدة يقال أنها ضاربة في الأرض بعمق ألف قامة إنسان، وترتفع إلى السماء بأضعافها، من رخام أبيض تخاله شمسًا، صافٍ، مصقول بعناية، حاملةً المنصة، لا تصل إليها من الأسفل، فلا طريق إلى الأعلى إلا بالهبوط من الأعلى. فلك أن تتخيل كبار سوقٍ لا يمرون به، لا يعلمون عنه شيئًا، لا يبلغه إدراكهم، ولا تقع عليه أبصارهم، فإطلالة الفردوس -وهو اسم آخر للمنصة- على البحر، بل الأعمدة نفسها ثابتة في قاع البحر.

لولا تقنيات أطلانطس لما أقاموها، ولولا مثابر بن شقيان المكدوحي ما وصلوا أطلانطس، وهذا حديث آخر لا يسعه المقام، وليكن هذا آخر الكلام، فللضرورة أحكام.

فيصل، يكنّي ويعمّي
25 ذو القعدة 1444هـ
14 يونيو 2023م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بارق التجليات في ذكر شيء من نوادر المخطوطات

اليوم الأخير

أشتات عن المسلسَلات