اليوم الرابع والخمسون بعد المائتين | لن تخرق الأرض

مهما أخبرت الإنسان بمحدودية طاقته، وقصور قدرته، لا يقتنع بقولك وإن أفنيت عمرك في تبليغه؛ ذلك لما جُبل عليه من الاعتداد بالنفس والرأي؛ وراثةً إبليسية، ونزعةً فرعونية، وطِباعًا خِراشِيّة. لهذا ترى غير المعتقد في نفسه المحدودية والقصور يضيع العمرَ تلفّتًا وتفلّتًا بين أهواء شتى، لا يجني شيئًا من وراء آجامها، ولا يعثر على طائل تحت أستاها.

وبعض الناس -أسفًا- عندما يسمعونك تبشر بالمحدودية والنقص؛ يظنونك داعية إحباط وتثبيط، يبشر بالتقاعس والخلود إلى الأرض والرضا بالقليل والدون. وهذا أصدق مصاديق قول قائلهم:
وكم عائب قولًا صحيحًا    وآفته من الفهم السقيمِ
لأن سقف المحدودية والقصور عالٍ في نفسه، يسع كل القمم، ولا تبلغ آخره الهمم. ولا يدرك هذا المعنى المشتت طالبَ كل شيء؛ فهو لا يسمع من هذه القالة إلا ما ذكرتُ من معاني السوء والنقص.
لأن المقصود بالتذكير بالمحدودية والقصور؛ قصر همة المرء على قليل ينقطع إليه يحسنه، فيتوصل به إلى كثير يريده ويشتهيه،، لا منع الهمة من التطلع والتشوف إلى المعالي التي هي داخلة في المحدودية والقصور.

ومن مقاصد التذكير بهذا كذلك؛ تفتيح بصيرة المرء على حقيقة الدنيا، التي لا بد وأن يدركها يومًا، بطريقة سهلة أو صعبة، حتى لا تتقطع نفسه حسرات على ما فات، ولا يتشوّف -جالسًا في مكانه- إلى ما ساقته الأقدار -بلا أدنى تحصيل- ليد بعض الناس من كثير أراده، أو حال عالٍ تمناه هم فيه. فيأخذ نفسه بالحزم لاستكمال فضائلها الكامنة فيها، أو القابلة لها، فيحصّل ما رآه وزيادة، إن نفس الشيء وعينه، أو ما هو أفضل، أو ما هو دون ذلك مع القناعة والرضا.

وكل الصيد الذي في جوف الفرا؛ أن يسير المرء بسير زمانه، وأن يختار معاركه التي تصلح له، وألا يقطع الرجاء من صانعِ سقفٍ حدوده السماء، فهو القادر على تبليغه ما يريد، وإن اعترض طريقه كل العبيد، والكل عبيد.
أخيرًا؛ حري بالمرء أن يتذكر أن القليل الدائم خير من الكثير المنقطع، وبذور اليوم حقول الغد. ويطيب لي التمثل بقول القائل، وإن قاله في بابة العلم، ولكنه صالح لكل بابة:
اليوم شيءٌ وغدًا مثلُه       من نخب العلم التي تُلتقطْ
يحصّل المرء بها حكمةً    وإنما السيل اجتماع النُقطْ

فيصل، يعظ العالم المنطوي فيه
13 رمضان المعظّم 1445هـ
23 مارس 2024م

تعليقات

  1. أحب التدوينات ذات النفحات المُحَفّزة لا لشيء سوى أنها أصبحت نوادر في زمن زُيّف فيه التحفيز وضُخّم كل شيء حتى بات على وشك الإنفجار، فهذه تدوينة تُعطي حافز بقدر الحاجة، كلمات تُعلي الهمة دون مبالغة…سلَم قلمك فيصل.

    ردحذف
  2. منشوراتك عميقة المعنى، شكرا لك

    ردحذف
  3. اشتقنا لتدويناتك

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بارق التجليات في ذكر شيء من نوادر المخطوطات

اليوم الأخير

أشتات عن المسلسَلات