الأيام من السابع والعشرين إلى الثالث والثلاثين بعد المائتين | ما بعد (ما الأيام؟) الأخيرة
لم يكن منتظمًا في بدايته، يتعثر في كل خطوة يخطوها، ولا يخطو خطوةً إلا بعد تردد طويل جدًا، كثير الأحكام على الناس، عجول في إطلاقها، خطّاء أوّاب، رغبته جامحة. وهو مع ذلك عقلاني طويل الفكرة، عاطفي سريع العبرة، يجهد في استنباط علل كل شيء، متأمل بطبعه، لا يغفل عن محيطه، ويحلل أفعال جليسه.
وسبحان من له الكمال المانع المعطي، فتوقّد قريحته واشتعال ذهنه، ضريبتهما جسد مثخن بالأدواء والقروح والدوالي، يشكو الصداع، وآلام الأضراس، والأمراض الجنسية، إلى أن أسلم روحه لذات الرئة.
هذا هو تولستوي، من وراء تلك العظمة والشموخ، شخصية مترددة خجولة شكّاكة، تصارع لإيجاد المعنى والقيمة. بعد تقضية عقود في اللهو والخطايا والشهوانية والمادية، خرج هائمًا على وجهه في أرض الحكمة باحثًا عن نفسه وروحه. كما قلتُ، هو كغيره من بني جنسه، يحزن، ويتألم، ويشتهي، ويخطئ، ويصيب، ويندم، ويتمنى، ويحلم، ويفشل، ويستمر في المحاولة.
تراه يتقلب طورًا بعد طور خلال فترات حياته، تشهد الاختلاف والنمو في كل عام، أو عدة أعوام، فقد كان كثير الانقطاع في أولها، فتجد اليوميات تقفز في السنين قفرات أولمبية، فهذه زوجته تحمل بطفلتهم الأولى، والصفحة التي تلي هذا الخبر تحكي عن عمران بيته بثلاثة أطفال ورابعٍ في الطريق، ولا تستكثر العدد، فقد أنجبت له زوجه ثلاثة عشر طفلًا، خمسة منهم ماتوا صغارًا.
من شخصية الضابط الشاب مشتعل الأعصاب محب الكتابة والكتاب، إلى الرجل الحكيم الذي عجمته التجارب، الزوج الذي لا يجيد التعبير عن الحب، الوالد الحنون، المناضل المدافع عن حقوق الرقيق والمفاليك*.
ولأنها يوميات، فهي بالضرورة مليئة بالتفاصيل التي لا تعني القارئ، ولا ينشغل بها إلا كثير الوقت قليل الشغل، وقد أحسن المترجم الأستاذ الفاضل يوسف نبيل -وإن كنت لا أتفق مع هذا الفعل في غير هذا المقام- إذ أسقط من دفاتر اليوميات صفحات كثيرة، لا شيء فيها إلا حسابات المصاريف والديون وغلال، إذ كان إقطاعيًا صاحب ضيعة.
ولم أقصد بالتفاصيل التي لا تعني القارئ هذه التي أسقطها المترجم وحسب، بل كثير غيرها مما بقي فيها، أقول هذا لئلا يغتر قارئي بكلامي فيسارع لشرائها ليرى ما رأيت فيُصدم بما فيها من ملل وثقل.
تعزّيتُ، فدرب البطالة والكسل والإهمال مطروق قبلي، ولي فيه سلف، من كبار الأدباء والكتاب وبائعي الكلام، ولم يعقهم مرورهم بهذا الوادي عن مجدهم، بل كان جزءًا مهمًا في صياغته وإشراقه، فالنور يُعرف بالظُلمة، "وبضدها تتميز الأشياء". التهبت عزيمتي حماسًا، على حساب تلهّفي على الإتيان على كل اليوميات، فبدأ يخبو شيئًا فشيئًا، بعد أن أخذت من تولستوي حاجتي.
تنقّلتُ بعدها كثيرًا بين الكتب والكتّاب، لم يبلّ أحد منهم ظمأتي ويشفي علتي، إلى أن اقتربت بداية السنة الحالية، فخلوت إلى نفسي متفكرًا في أمري حائرًا فيما يجب فعله. لماذا لا أكتب كل يوم؟ عن أيامي، لا التي أعيشها حسًا، بل تلك المعنوية، التي فيها أفكاري، وتأملاتي، وما لا يفارقني في أي حال ومكان وزمان. لأكتبن كل يوم فكرة مختلفة، فكانت الأيام مع ما فيها من أوهام وأحلام وآلام.
فيصل، يكتفي بهذا القدر من الحكاية
19 صفر 1445هـ
5 سبتمبر 2023م
*المفلوك: الفقير المنحوس المُهمَل. راجع كتاب الفلاكة والمفلوكون لشهاب الدين أحمد الدلجي
تعليقات
إرسال تعليق