المشاركات

عرض المشاركات من سبتمبر, 2023

الأيام من الثالث والأربعين إلى الثامن والأربعين بعد المائتين | دواء الاستطباب من إمساك الكتّاب

هذه مقالة نويتها مشروعًا مستقلًا خارجَ الأيام داخل الرسائل، إذ هي جواب لبعض فضلاء الكَتَبَة، لكني لم أكملها لظروف عرضت. ولما كان الوحي قد انقطع عني، وشيطاني فقد الرجاء مني، رأيتُ أنفع ما أشغل به نفسي -ما دمتُ لا أكتب- أن أكتب عن إمساك الكتّاب الذي أصابني، فعدتُ إلى المقالة مستثمرًا وجود مقدمتها لأبني عليها، فالإكمال أخف على النفس من الابتداء.  بسم الله الرحمن الرحيم "اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل، ونعوذ بك من التكلّف لما لا نحسن كما نعوذ بك من العجب بما نحسن، ونعوذ بك من السلاطة والهذر، كما نعوذ بك من العِيّ والحَصَر، وقديمًا ما تعوذوا بالله من شرهما، وتضرّعوا إلى الله في السلامة منهما. أعذني ربِّ من حَصَرٍ وعِيٍّ     ومن نفس أعالجها علاجًا" * الحمد لله خالق الإنسان، معلم البيان، منزل القرآن بأفخم لسان، على قلب أفصح من نطق بالضاد، خير العباد وملجأ الكل في يوم التناد، سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وصحبه ومن بهديه اقتدى ولشرعه انقاد. وبعد،  فقد قرأت كتابك وفهمت ما فيه، وهذا جواب سؤالك -شفاك الله وسلمك- وعلاج ما تعانيه، ...

تذكرة كاتب | طول النفس

نفسي طويل جدًا إلا في أمر واحد؛ الكتابة بكل أشكالها وألوانها وأنواعها وأطوالها وموضوعاتها، تجدني مختنقًا بها مزرقّ الوجه لقلة الأوكسجين، مع أني أقضّي أوقاتي كلها هربًا إليها، مشغول البال بما سأتركه مني فيها ضريبةً، وكل الضرائب عائدة في الحقيقة لضريبة واحدة، وهي انكشاف شيء من الكاتب لكل قارئ، فيغدو بعد تنكّره وتقنّعه مفضوحًا مكشوفًا معروفًا. ولا يسلم مرء عُرف في زماننا هذا، فكلهم متصدّر بارز لحتفه السيَريّ [نسبة للسيرة] واغتياله المعنوي، صائر -لا محالة- مضغةً في أفواه الماضغين، قليل الناصرين والمؤيدين -عادةً- كثير الطاعنين والناقدين. هذا لمن نشر ما حاك على الملأ والجماهير، أما من تستّر وتسردب وعلى نفسه انكفأ، فهو سالم وضامن لسمعته ما لم يخالف.

الأيام من الرابع والثلاثين إلى الثاني والأربعين بعد المائتين | كلنا خِراش

 كان -وما أكثر ما كان- في قديم الزمان رجل اسمه خِراش، خرج للصيد يومًا ولم يظفر بشيء، فنام عند صخرة آوى إليها، وساقت الأقدار إلى موضعه سربًا من الظباء يرعى حوله. استيقظ على أصواتهم، فأمسك قوسه ونثر كنانته بين يديه. وكلما توجّه بسهمه إلى أحدها رأى أسمن منه، فيطمع فيه، فيتوجّه إليه حينًا حتى إذا أراد رميه، رأى آخر أسمن، وبقي على حالته تلك، متوجّهًا كل آنٍ إلى ما أطمعته فيه الشهوة وحب الاستزادة، حتى انقضى النهار، وتفرق السرب، ولم يصد شيئًا فقيل عن حاله: تكاثرت الظباء على خِراش فما يدري خِراش ما يصيدُ فصار خِراش مضربَ المثل في الطمع وتفرّق الهمة. وكل من نظر في نفسه، وأنصف في نظره، وجد فيها خِراشًا طمّاعًا مفرّق الهمة بين الأشياء، مشتهيات أو محبوبات أو هوايات أو اهتمامات أو استثمارات أو هموم أمة أو قضايا مجتمع أو أحلام يقظة أو أطماع مستقبل، عد ما شئت فما أكثر موقدات الطمع ومشعلات الشهوة ومفرّقات الهمة. وخِراشات النفوس تتفاوت قوةً وضعفًا، ورعونةً وطوعًا. واختلفوا في الوجود والعدم؛ فقالت المعمِّمَة: لكل نفس خِراشها، منها وفيها، إنما يغلبه الموفق، فإما أن يقوده أو يميته. وهذا القدر يشت...

الأيام من السابع والعشرين إلى الثالث والثلاثين بعد المائتين | ما بعد (ما الأيام؟) الأخيرة

 لم يكن منتظمًا في بدايته، يتعثر في كل خطوة يخطوها، ولا يخطو خطوةً إلا بعد تردد طويل جدًا، كثير الأحكام على الناس، عجول في إطلاقها، خطّاء أوّاب، رغبته جامحة. وهو مع ذلك عقلاني طويل الفكرة، عاطفي سريع العبرة، يجهد في استنباط علل كل شيء، متأمل بطبعه، لا يغفل عن محيطه، ويحلل أفعال جليسه. وسبحان من له الكمال المانع المعطي، فتوقّد قريحته واشتعال ذهنه، ضريبتهما جسد مثخن بالأدواء والقروح والدوالي، يشكو الصداع، وآلام الأضراس، والأمراض الجنسية، إلى أن أسلم روحه لذات الرئة. هذا هو تولستوي، من وراء تلك العظمة والشموخ، شخصية مترددة خجولة شكّاكة، تصارع لإيجاد المعنى والقيمة. بعد تقضية عقود في اللهو والخطايا والشهوانية والمادية، خرج هائمًا على وجهه في أرض الحكمة باحثًا عن نفسه وروحه. كما قلتُ ، هو كغيره من بني جنسه، يحزن، ويتألم، ويشتهي، ويخطئ، ويصيب، ويندم، ويتمنى، ويحلم، ويفشل، ويستمر في المحاولة. تراه يتقلب طورًا بعد طور خلال فترات حياته، تشهد الاختلاف والنمو في كل عام، أو عدة أعوام، فقد كان كثير الانقطاع في أولها، فتجد اليوميات تقفز في السنين قفرات أولمبية، فهذه زوجته تحمل بطفلتهم الأولى، وا...