اليوم الحادي والخمسون بعد المائتين | جوابي الأفضل لسؤال (ماذا أفعل؟)
في عصر الفراغ وسيولة الأشياء وطغيان الفردانية والاستقلالية عن كل جماعة يحصل أن يقدّر الله سبحانه خرق هذه الأعراف بجمع كلمة الناس على أمر واحد ذي معنى قد يتفاوت وضوحه، راغبين فيه، لا يدفعهم إليه شيء إلا ضمائرهم، يفعلون ما يستطيعون لأجله زُرافات ووُحْدانا، متّحدين محاولين تغيير الواقع بما هو ممكن إلى ما هو إما ممكن أو مثالي. والعاملون للأخير حالمون سقف توقعاتهم أعلى مما ينبغي، وسرعان ما سيخر عليهم السقف من فوقهم، ويستيقظون بعد صدمتهم من الواقع، فمتطرف ومنحل. وهذان الصنفان من الناس لا يسمعون، وإن سمعوا لا يعقلون، وإن عقلوا لا يعملون، صم بكم عمي فهم لا يرجعون، إلا إن أدركتهم الألطاف. والانشغال بهم تضييع للوقت والجهد فيما لا ينفع، اللهم الدعاء لهم.
أما العاملون بالممكن للممكن فسقف توقعاتهم قريب، لا يحمّلونه أكثر مما يحتمل، فلا يخافون وقوعه عليهم، لكن سرعان ما ستخفت جمرة اجتماع الإنسانية، وتنقطع أنفاس العاملين، و(ينفضّ المولد)، وتعودُ -تقديرًا من الله لحكم لا يعلمها إلاه- كلمةُ العصر بالانفراد هي العليا، وكلمة الناس بالاجتماع هي السفلى، فمتشاغل ومتسائل. والمتشاغلون يتفاوتون في معرفةِ حكم الوقت، وما في القدرة، وما هم مخاطبين به، والعملِ بهذه المعرفة. والمتسائلون لا يكفّون عن السؤال عن أشياء كلها دائرة حول ما ذكرتُ، خاتمين كل حوار فيه إجابة أسئلتهم بالسؤال الذهبي (ماذا أفعل؟).
وقد قدّر الله عليَّ أن يتوجه إليَّ متسائلون ظنوا فيَّ الخير إن أحسنا القول والظن، لكن الحال أنهم داخلون في حكم العصر المستلزم للتفاهة، التي نراها في صدارة كل شيء بعد فقد العمق، فخلطوا الأشبار بالأمتار، واستبدلوا الغث بالسمين. وكان مما لا بد أن يكون أن تُختم جلستنا الحوارية بنفس السؤال، وكنت قد توقفتُ عن إجابته زمنًا طويلًا، فتمحّلت مرارًا رجاء أن ينقطعوا عني، لكن لم يزدهم إلا إصرارًا وإكثارًا وإلحاحًا، فلما لم أجد في الأمر بد وعدتهم بإفراد مكتوب للإجابة، وهذا هو، فدونكم.
اعلم أن مما يحمي همة المرء وعزيمته وضميره معرفةُ ما لأجله يعمل، الدافع الذي حرّكه، الغاية التي يطمح لها، واستحضار هذه الدوافع والغايات دائمًا، ليتذكر هدفه في كل مرة توسوس له شياطينه بالتوقف أو تسوّل له نفسه التكاسل. وكذلك استحضار عواقب الأمور ومآلاتها إن ترك العمل، فالإنسان هو الإنسان من أول يوم، خاضع للشهوة والخوف، مستجيب للترغيب والترهيب، وإن لم يتحرك بالدوافع حرّكته المآلات.
ومعرفة أن الله لم يكلف المرء ما يخرج عن وسعه وطاقته تهذب النفس، وتعلم الإنسان بقدْره. فالصورة الكاملة، والمجتمعات، والأمم، والعالم بل حتى نتيجةَ أعمالك -التي ما هي إلا أسباب ظاهرة لها- ليسوا داخلين في وسعك، فأنت لست سوبرمان، ولن تُحاسب عن الإنسانية، بل عن ما فعلتَ أو تركتَ. ومعلوم أن أول التكاليف العلمُ؛ لأن العمل متوقف عليه، فلا يستطيع أحد العمل أو الإيمان بما لا يعلم، فالعلم والتعلم أول وأولى ما يصرف العاقل فيه عمره. ولأن العلم كثير والعمر قصير، فخذ من كل شيء أحسنه، متدرجًا بالأهم فالمهم، ولا تنشغل بالتحصيل عن العمل؛ فإن العلم كاتخاذ العدّة والأدوات للصنعة، فإن قضى الإنسان عمره في جمع أدوات النجارة لن يصير نجارًا.
تعلّم كل ما تعلق بالذي يعنيك، تاريخه، تفاصيله، أحداثه، شخصياته، قيمته، وشارك هذه المعرفة مع من حولك، ولا تتبع في ذلك طريق التنظير والإلقاء البارد، فإنه منفر لا نفع منه إلا التشبه بديناصورات الجامعات. عرّفهم قيمة ما تحمله لهم، وأثره عليهم وعلى حياتهم سلبًا وإيجابًا، تذكر الترغيب والترهيب. وأنا لا أحتاج هنا إلى تذكيرك إلى أن الترغيب والترهيب لا يساوي ما كان يُفعل في الحلقات والمخيمات التي تذكر خبرها، فأنت أعقل من أن تفهم أنه المقصود من كلامي.
لا تنسَ أن مجموع العالم في الحقيقة أفراد، فصلاح الأفراد صلاح العالم، لذا إن حرصتَ على الصورة الكاملة؛ تذكر نصيبك من العمل لتحقيقها، فأنت من حيث أنك فرد في المجموع لا بد أن تطالبَ نفسك أولًا بالعمل لما تريد قبل أن تفكّر في غيرك، وإن فكّرت في الغير فلا تفكّر في الكل، اكتفِ بالبعض، فإن العمل إذا تفرق تركيزه على كثير ضاع أثره أو خف، بخلاف ما إذا اقتصر على مجموعة منتخبة. وحبذا لو كانوا معينين لك، يشاركونك كما تشاركهم، ويعلمونك كما تعلمهم، بعضكم آخذ بيد بعض.
اعجبني كثيرا إلى الامام
ردحذف