اليوم الخمسون بعد المائتين | القدر والنصيب من فوائد قولهم (سل المجرّب لا الطبيب)
ما يفتأ الصغير يتطلع إلى اليوم الذي يكبر فيه، بل لا يصده عن ادعاء الكبر شيء كلما أمكنه أن يكذب بشأن سنه، فهو لا يرى من الأمر إلا الجانب المشرق المضيء، الذي يفعل فيه ما يحلو له كما يتخيل، لا يستيقظ مبكرًا للذهاب إلى المدرسة، يأكل ما يشتهي من مطاعم الوجبات السريعة، يقبض مالًا في يده يشتري به ما يريد، وعنده سيارة أو قادر على القيادة على الأقل، ينام متأخرًا لأن ليس شيء ممنوع عن الكبار. ثم إذا بدأ يكبر فعلًا عند خط الشنب واكتظاظ العذار إن كان صبيًا، وإعصار النهدين وحضور العذر إن كانت جارية؛ توهم أنه فارق الصبا وما حوى، وولج الرشد والكمال من أوسع الأبواب، غير مسلّم إلا لتجربته، كأنه أول الناضجين.
وأنا عندما أنظّر بهذا الكلام عن حال الصغير إنما أقوله عن خبرة سابقة وتجربة طويلة، وبوصفي أحد الصغار -سابقًا- أوافق على ما قلتُه، خاصة آخر جزء منه، أعني عدم التسليم لتجارب الغير أو عدم التسليم إلا بالتجربة الذاتية، ويا لبؤس ما لاقيتُ من عدم إصغائي، وقلة اكتراثي، واعتدادي بنفسي ورأيي. وأشد ما كان من هذا؛ الفخاخ والمصائد المصوّرة على هيئة البشر. وهي -أو هم- أنواع وأشكال وأصناف، يختلفون باختلاف غاياتهم ومراداتهم وأساليبهم وتدابريهم، فتجد الشره الغبي، والحريص الذكي، والمتلون الطماع، والمتكاسل الخدّاع، والشيخ المتصابي، والعجوز الفاجرة، والمنتقبة العارية، والمتدين المرابي، والمفكر المتحرش، والأديب المُفْتَرَش وهلم جرًا.
إن تجارب الغير ينبوع المعرفة والحكمة الصافية عن شائبة الألم والكي بنار الخطأ، فالسابق قد أغناك عن خوض غمار الفتنة التي أردت الانخراط فيها، وركب قبلك متن الحماقة التي أردتها مركبًا لشؤونك اليومية، وخالط أشباه الفتاة التي أسرت قلبك لجمعها ما تفرّق من صفات أردتها وزادت عليها ما تكرهه من أفعال لكنك اعتقدت صلاحيتك لإصلاحها فلم تلق من محاولاتك إلا الهجر والغدر، والذي لا يدرك مقدار هذه النعمة العلمية والعملية فما أراه إلا ساقطًا عن مقام المخاطبة، نازلًا عن رتبة الأسوياء. فإن تعطيل الإفادة من هذا الباب مفسد بالضرورة لأكثر المعارف الإنسانية إن طُرد إلى آخره، مضيّع بالضرورة لوقت الفرد مفسد لحياته إن لم ينته عن غيّه.
وإني لم أدرك حقيقةَ ما يُقال عن اختلاف الناس وأخلاقهم وطبائعهم، وحجمَ الفجوة الحاصلة بين مبادئ شرائح مجتمع المدينة الحديثة إلا عندما انخرطت في سوق العمل، وكنت أظن أني قد أحطت بطباع العالمين لما رأيته -وما أقل ما رأيته- في حياتي. إلا أن مما يسلي المرء ويجلو عنه حزنه؛ معرفته بأن السير في سبيل الغرور والاعتداد محطة لا بد منها في سيرورة الحياة، لولاها ما حصل نضج الناضجين، ولا نرجسية المختلين، ولله في خلقه شؤون. إلا أن الحديث عما في سوق العمل لا تنتهي شُعَبه، ولا ينقضي عجبه، ولولا ضيق الوقت وانصراف البال إلى أمور المعاش والعيال والخوف من الإثقال، لكان لنا في تفصيله شأنًا عجيبًا، وبيانًا من القارئين قريبًا، ولعلنا نفرد في الكلام عليه رسالة، إن فسح الله في الأجل وكتب الإطالة.
عودًا حميدًا يا سيد فيصل، تدوينة تمنيت لو أفضت فيها، وأما عن التجارب فالإنسان أحيانًا يميل للمعاناة كما تحتّم عليه البيولوجيا، لا يعبأ بالكلام المذهّب والنية الصافية من وراءه، لا يقنع إلا أن يكرر المعاناة ويعيشها في محاولة منه لاشباع فراغ ونقص أبدي.
ردحذفمرحبا استاذ فيصل افتقدناك
ردحذف