المشاركات

عرض المشاركات من نوفمبر, 2023

اليوم الثاني والخمسون بعد المائتين | ما اسمها؟

من تأمل في أفعال الإنسان المعاصر، يجد أن قائمة الأشياء التي يتحرّج من الحديث فيها والتطرق إليها بمدح أو قدح يزيد طولها يومًا بعد يوم، كأنه يدفع من حرية الفكر مقابلًا لحرية الفعل، وحتى الأخيرة الإنسان مغشوش مغبون فيها، فهي لا تصفو لأحد البتة، مهما زادت سعة الحدود المقيّدة لهذه الحرية، فهي غير مطلقة ولا تصدق الحرية عليها إلا جزئيًا. فتسميتها بالحرية تجوّز أو مجازفة، خاصةً والحال كما نعيش اليوم تحت اضطراب العالم والمبادئ التقدمية، فمهما بلغت حرية التعبير والفكر والفعل في بلد من البلدان التي صدعت رؤوسنا سنين عددًا بالتنظير للأخلاقيات والمبادئ، والتحقير لنا ولثقافتنا، فإنك لن تُعلن أبدًا حرفًا واحدًا تُشم منه رائحة تشكيك أو تقليل من أحقية وواقعية هذه القضية أو تلك إلا وقامت الدنيا ولم تقعد إلا عليك. مع أنك في طرحك هذا لم تدعُ إلى عصبية، أو كراهية، أو معاداة، بل كل ما فعلتَ لا يعدو أن يكون طرح فكرة تخالف ما تسالمت عليه الأعراف التي قامت على عدم التسليم للأعراف -واضحك ما شئت من المفارقة-، أو أنك سمّيتَ الأشياء بغير ما اعتادوا على تسميته، واضحك ما شئت أن تضحك من مفارقة أننا تعاهدنا في خطاب...

اليوم الحادي والخمسون بعد المائتين | جوابي الأفضل لسؤال (ماذا أفعل؟)

في عصر الفراغ وسيولة الأشياء وطغيان الفردانية والاستقلالية عن كل جماعة يحصل أن يقدّر الله سبحانه خرق هذه الأعراف بجمع كلمة الناس على أمر واحد ذي معنى قد يتفاوت وضوحه، راغبين فيه، لا يدفعهم إليه شيء إلا ضمائرهم، يفعلون ما يستطيعون لأجله زُرافات ووُحْدانا، متّحدين محاولين تغيير الواقع بما هو ممكن إلى ما هو إما ممكن أو مثالي. والعاملون للأخير حالمون سقف توقعاتهم أعلى مما ينبغي، وسرعان ما سيخر عليهم السقف من فوقهم، ويستيقظون بعد صدمتهم من الواقع، فمتطرف ومنحل. وهذان الصنفان من الناس لا يسمعون، وإن سمعوا لا يعقلون، وإن عقلوا لا يعملون، صم بكم عمي فهم لا يرجعون، إلا إن أدركتهم الألطاف. والانشغال بهم تضييع للوقت والجهد فيما لا ينفع، اللهم الدعاء لهم. أما العاملون بالممكن للممكن فسقف توقعاتهم قريب، لا يحمّلونه أكثر مما يحتمل، فلا يخافون وقوعه عليهم، لكن سرعان ما ستخفت جمرة اجتماع الإنسانية، وتنقطع أنفاس العاملين، و(ينفضّ المولد)، وتعودُ -تقديرًا من الله لحكم لا يعلمها إلاه- كلمةُ العصر بالانفراد هي العليا، وكلمة الناس بالاجتماع هي السفلى، فمتشاغل ومتسائل. والمتشاغلون يتفاوتون في معرفةِ حكم...

اليوم الخمسون بعد المائتين | القدر والنصيب من فوائد قولهم (سل المجرّب لا الطبيب)

 ما يفتأ الصغير يتطلع إلى اليوم الذي يكبر فيه، بل لا يصده عن ادعاء الكبر شيء كلما أمكنه أن يكذب بشأن سنه، فهو لا يرى من الأمر إلا الجانب المشرق المضيء، الذي يفعل فيه ما يحلو له كما يتخيل، لا يستيقظ مبكرًا للذهاب إلى المدرسة، يأكل ما يشتهي من مطاعم الوجبات السريعة، يقبض مالًا في يده يشتري به ما يريد، وعنده سيارة أو قادر على القيادة على الأقل، ينام متأخرًا لأن ليس شيء ممنوع عن الكبار. ثم إذا بدأ يكبر فعلًا عند خط الشنب واكتظاظ العذار إن كان صبيًا، وإعصار النهدين وحضور العذر إن كانت جارية؛ توهم أنه فارق الصبا وما حوى، وولج الرشد والكمال من أوسع الأبواب، غير مسلّم إلا لتجربته، كأنه أول الناضجين. وأنا عندما أنظّر بهذا الكلام عن حال الصغير إنما أقوله عن خبرة سابقة وتجربة طويلة، وبوصفي أحد الصغار -سابقًا- أوافق على ما قلتُه، خاصة آخر جزء منه، أعني عدم التسليم لتجارب الغير أو عدم التسليم إلا بالتجربة الذاتية، ويا لبؤس ما لاقيتُ من عدم إصغائي، وقلة اكتراثي، واعتدادي بنفسي ورأيي. وأشد ما كان من هذا؛ الفخاخ والمصائد المصوّرة على هيئة البشر. وهي -أو هم- أنواع وأشكال وأصناف، يختلفون باختلاف غاي...

اليوم التاسع والأربعون بعد المائتين | مرآة الزمان لما كان | عود على بدء

لم أتوقف عن الكتابة لما توقفت عن النشر، وحتى النشر لم أتوقف عنه إلا هنا، فقد نشرت محاولاتي الأولى لإعداد وكتابة المحتوى الوثائقي، وظهر اسمي على شاشة التلفاز! خطوة كبيرة لأحلام صغيرة داريتها بكفّي، لأبقي شعلتها حية، فرياح التغيير تعصف، والشموع لا تقوى على الأنفاس بلْه العواصف. توقفتُ للعمل -قصورًا- لئلا يكون مني تقصيرًا تجاه ما أوكل إليّ من مهام لعلها تحدد ملامح الطريق إلى المستقبل، فإني إن أخفقت فيها قد أضيّع طريقي فلا أصل إلى وجهة، ولا أعرف طريقًا إلى جهة. قابلتُ الكثير من المبدعين الجدد الذين لم أعرفهم، وجددت عهدي بمبدعين طالت مجالسي معهم يد الزمان ففرقتنا، واجتمعنا بعد طول تطلع وانتظار -على الأقل من جهتي- لحصول هذا الاجتماع. أن أرى فيه المياه على ما كانت عليه من سريان وجريان، أن أتذوّقها مرة أخرى فأجد طعمها لم يتغير، وأن ما تُرك بقي على ما كان، وأن ما ظهر من مطالع وطوالع لم يعدُ أن يكون قشرة المظهر.  ما أكثر الغبار الذي تراكم على الأصابع، ولوحة المفاتيح، والمكتب، والعقل، والأفكار، والسياق، والأخلاق، والأعراف، والتقاليد، والإنسانية اللعينة؛ التي تكشفت عن وحشية حيوانية وهمجية بربر...