الأيام من التاسع عشر إلى الخامس والعشرين بعد المائتين | ذوبان
حامت في ذهني أسئلة كثيرة، بدأت بواحد وانتهت بأسراب لا حصر لها تسد عين الشمس، القلق خشية الإملال والإثقال لم يعد العدو الوحيد؛ فالقلق حيرةً في الموضوع الذي سأتناوله بالكتابة لم يتركه يستفرد بي، فأنا ضحيّته المفضلة. وتحت نعيق الأسئلة وجلد سياط قلق حيرة الموضوع قضيت الأيام الماضية بعيدًا عن الكتابة.
مقدمة أردت إثباتها هنا، لا علاقة لها بما سأكتبه بعد.
تلك مقدمة أردت إثباتها في تدوينة شرعتُ فيها منذ أيام، وبقيت أفكر وأكتب فيها، ولما وجدت الأمر طال، والعهد بالكتابة بَعُد، جعلتُها مشروعًا مستقلًا عن الأيام وما فيها. أما موضوع اليوم فهو الذي لما أحسمه حتى الآن، ولعله يتجلى لي أمر بعد إثبات هذه المقدمة هنا، فتصير مثل أختها؛ لا علاقة لها بما سأكتبه بعدُ.
بعد أن تحضر الإنسان وتمدن، واستبدل المخاوف بالمخاوف، وبعد ما بعد التحضر والتمدّن الأوّل، تغوّلت المخاوف على الخلائف*، واتسعت الفجوة بين الإنسان وإنسانيته، وفقد كثيرًا من أصوله متقربًا بها إلى آلهة الجنات الإسمنتية والتروس المعدنية ومصابيح النيون.
لم يعد للأشياء قيمة في نفسها، والمعنى خرج ولم يعد، وصار الطبيعي شاذًا والشاذ طبيعيًا، وذابت الملامح كما تذوب المثلجات تحت سعير شمس أغسطس، إلا أن صاحب المثلجات الذائبة يحزن عليها، أما إنسان اليوم فيبتهج لتداخل الملامح في مزيج من الألوان يبهجه فراغُه من المعنى لأنه يستطيع أن يركب عليه ما شاء كيف شاء متى شاء، فمركب المعنى يفرغ من معناه ليستقبل معنى آخر قد يكون لا وجود له منذ أن بدأت الخليقة إلى اليوم.
كان من يصيب سكرة البهجة والفرح يفيق سريعًا، أما اليوم فلا إفاقة منها لدوام تعاطيها، ومن انقطع لحظات معدودة عن تعاطيها تهاجمه الأعراض الانسحابية، وتبدأ ذاكرته العضلية بمحاكاة عملية التعاطي، وهي تختلف باختلاف مواد البهجة والفرح. والصورة هنا مجازية، فلا يذهبن ذهنك إلى المواد المخدرة.
استعاضوا بها عن فراغ ذواتهم وقلوبهم، لم يستوعبوا بعد عظمة أضحياتهم لآلهة الحضارة والمستقبل، ولا أثرها عليهم بعد أن تفنى خلاياهم المستطعمة للبهجة والفرح، أو حتى عند ضعفها وبداية أفولها. قالوا: (الصوفي ابن وقته)، ونحن الآن أبناء وقتنا حقًا، وشتان بين بنوة وبنوة.
حين حصل كل هذا، صار الإنسان -تبعًا لما حوله- لزج حساس، يتعذر عليه الثبات والتحمل، وبعد أن كان صيادًا لأضخم الطرائد، أمسى فريسة كل صياد، حقيقي أو متوهم، شخص أو عفريت، كلمة أو معنى. ولأن الحال المايل لا يرضي أحدًا، استفاق بعض بني الإنسان من سكرتهم، وتحملوا أعراض الانسحاب، لكنهم سرعان ما وقعوا في فخ زيف نُصبت حبائله لتكون العوض الأنسب لمن يريد أن يفيق من سكرته ويعود إلى العالم (الحقيقي)، مع أن من يوزع البهجة والفرح ويحض على تعاطيهما هو هو من قدم الحل لمن أراد الإفاقة من بني الإنسان، وهل يستحيل الذئب إن تلبّس إهاب** الغنم؟
فيصل، قائم مقام كاتب چلبي أو أفندي
12 صفر 1445هـ
28 أغسطس 2023م
*الناس
**الإهاب: الجلد
عجيب كيف تكتب بهذه الفصاحة. كلام بفكر فيه كتير هذه الفترة
ردحذفبديع!
ردحذفكيف لذوبان المثلجات أن تخرج هكذا نص .