اليومان الثاني عشر والثالث عشر بعد المائتين | رسالة أمست تدوينة

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

صباحكم خير جميعًا
تبارك الله نشاط الرفاق يشرح الصدر، ويثلج الفؤاد، ويرجع للإنسان الهمة المفقودة، فـ رضي الله عنكم.

بعد انتهائي من (أثقل من رضوى) بدأت في قراءة الجزء الثاني من سيرتها الذاتية (الصرخة)، والذي لم تكمله رحمها الله، إذ وافتها المنية وهو مسوّدة وقصاصات مهملة.
ولا أخفيكم سرًا أن قراءتي لها كانت بطيئة متثاقلة، فأنا لم أعرفها خارج (ثلاثية غرناطة)، وقد أبدعت فيها ما شاء الله أن تبدع، وأجادت أيما إجادة.
أما (أثقل من رضوى) فقد كانت أثقل من رضوى، لدخولها في تفاصيل أحداث بعيدة العلاقة بسيرتها، فوصف الجو العام يغني عن تفصيلِ الأحداث تفصيلَ النشرات الإخبارية والتقارير الصحفية.
فبدأت بـ (الصرخة) ولم أكمل منه عشرين صفحة حتى تركته.
ومنه عدت إلى يوميات تولستوي، لأقرأ الجزء الثاني منها، بجوار (لماذا تفشل الأمم)، وكتاب ثالث أخف منهما، يسليني عندما تثقل قراءتهما عليَّ.

وتعدد الكتب التي يقرؤها المرء بالتوازي عادة أكثر أهل العلم والأدباء، وعادات السادات سادات العادات.
فبها تبقى حبال القارئ متصلةً بالكتب، ولا ينقطع عنها لملالة طارئة أو انشغال بال، فبعض الكتب تحتاج قراءتها إلى تفكير وتحليل، وطول تأمل، وصفاء، وهي مرهقة تكد الذهن.
أما كتب الأدب والتاريخ مثلًا؛ كالدواوين، والروايات، والأخبار، والسير، والتراجم، فهي أخف ظلًا وأقرب للنفس، ولا يشعر المرء غالبًا بنفسه وقت قراءتها.
فكان العلماء والأدباء إذا ضاقوا بالكتب الأولى، انتقلوا إلى الثانية طلبًا للتفكه وراحة النفس حتى تنشط للأولى، وهكذا دواليك.

وكان من قدري أن اخترت بعشوائية الجزءَ الأول من حيث تاريخ التأليف وهو رواية قائمة بذاتها، من ملحمة الأدب الإسباني المعاصر (مقبرة الكتب المنسية) الموسوم بـ (ظل الريح)، والملحمة بقيت عندي سنةً كاملةً حبيسة صندوق الشحن الذي وصلت فيه، والحمد لله على ما قضى وقدر.

دخلت في عالم آخر، ولم أخرج منه حتى أتيت على الأجزاء كلها التهامًا بشراهة ونهم في أسابيع قليلة.
ولا أقول إنها صادفت قلبًا خاليًا فتمكنت، ولكنها أزاحت وأطاحت ثم استوت على عرش الروايات سلسلةً عمومًا، و(لعبة الملاك) الجزء الثاني منها من حيث تاريخ التأليف خصوصًا.

وترتيب السلسلة كما يلي:
ظل الريح
لعبة الملاك
سجين السماء
متاهة الأرواح
وكل واحدة من حلقاتها رواية مستقلة، قائمة بذاتها، مستغنية عن بقية الأجزاء.
وللمؤلف كارلوس ثافون مجموعة قصص قصيرة باسم (مدينة من بخار) هي كالذيل والتكميل، انضمت إلى أخواتها في طابور الالتهام.

وهذه أول مرة أدخل في دوامة لا أستطيع الخروج منها، وأول مرة أرى بطل القصة هو المكان والتاريخ المشترك والجمادات.
ولـ كارلوس ثافون مذهب عجيب في الملحمة، فهي إلى جانب أبطالها الغرباء، فأجزاؤها ما هي إلا "مداخل" للملحمة؛ قد تختلف الأسماء والشخوص، لكنك ترى الأشياء نفسها، وتربط الأحداث ببعضها، فتكتمل في نظرك الصور، وتلتئم السياقات، لترى عظمة السرد وهندسة بناء الحكاية المذهل الذي يشابه هندسة بناء مقبرة الكتب المنسية فعلًا.

وحتى لا أكون حارقًا للأحداث، فسأكتفي بقول التالي:
مسرح أحداث الملحمة إسبانيا، تحديدًا في شوارع وأزقة برشلونة، وجانب من مدريد والأرياف، بين القرنين التاسع عشر (١٨٠٠-١٨٩٩) والعشرين (١٩٠٠-١٩٩٩)، ممثلوها باعة الكتب، ومقتنو نوادرها، والكتاب الملعونون، ومشردو الحرب، وبطلها مكان يجمع تراث الإنسانية المكتوب منذ أن احتفظ الإسبان بالكتب في أقبيتهم وسراديبهم إبان محاكم التفتيش، أو هكذا قيل.

أخيرًا، إن كنت تحب القراءة والكتابة وتاريخ الأشياء والأفكار، وفيك انفتاح على الجديد، فالملحمة اختيار لن تندم عليه أبدًا."

فيصل، يمكن أن يكتب أدب الرسائل
29 محرم 1445هـ
16 أغسطس 2023م

تعليقات

  1. فديت الكاتب والفيلسوف الحبيبي

    ردحذف
  2. حمستني لقراءة السلسلة بشكل كبير جداً
    خصوصاً عندما عرجت على ذكر البطل

    ردحذف
  3. والله لا اعلم ماذا اقول ولكن اعتقد من بعد رسالتك هذي فتحت لي افاق للبحث والمعرفه
    كل الشكر والله

    ردحذف
  4. والله ما أرى إلا فيصل يبدع في أدب الرسائل 👏🏼 والسلسلة انتقلت لما سيقرأ قريبًا بإذن الله

    ردحذف
  5. تدوينة ثرية، حمستني أعود للقراءة بقوة، الآن بالكاد أنظر إلى كتاب واحد.
    لعلها تلهمني كما تلهمني تدويناتك وتدفعني للكتابة.

    شكرًا فيصل!

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بارق التجليات في ذكر شيء من نوادر المخطوطات

اليوم الأخير

أشتات عن المسلسَلات