اليوم الرابع عشر بعد المائتين | ما بعد (ما الأيام؟) 2

 نفضت عن نفسي ما علق بي من غبار الأوهام والأضغاث التي ضربتها ببعض بعد أن كتبت ما كتبت، مستوحيًا من مذكراتٍ لو قرأ كاتبها ما استوحيت منها لحاول صفعي، وليخسأ عدوّ الله فلن يعدو قدره، ولن يغادر قبره. وإن حصل وتقابلنا، ودارت بيننا (العركة) وتماسكنا، لوجد عودي صلبًا شديدًا يفلق من يقارعه.

أقول إني نفضت عن نفسي الغبار وشرعت في قراءة شيء جديد تحت مظلة البرنامج، إذ كنت وقتها ملتزمًا مواظبًا على الحضور والمشاركة، وهذه المرة كنت على موعد مع الأديب الأمريكي صمويل لانغهورن كليمنس -المعروف باسم مارك توين- وسيرته الذاتية، وهو الأمريكي الثاني الذي أقرأ له بعد دان براون، وإن كنت أعرف قبل قراءتي لدان براون أنه أمريكي لما قرأت له، لاعتقادي بسخف كل أمريكي، وأعرف أني إن فعلت سأندم على زهدي بعد الاطلاع على نتاج بعض الأمريكيين في حقول مختلفة.


الورق يطفح سخرية لذيذة، وتجربةً إنسانية عميقة، واختبارًا للحياة من مرحلة مبكرة، ومشاعر جياشة. سرد لطيف لا تستثقله، كأنك جالس مع جدك وهو يحكي عن أيام صباه وما جرّب في الحياة وتنقلاته في الصناعات والأعمال المختلفة بعد وجبة غداء مشبِعة معجِبة سحبت الدم من رأسه فخفّ، فطرب، فأخذ يحكي. وهذه الدقة في التوصيف مرادةٌ، إذ بعض الأجداد -رحم الله من مات منهم وأطال في عمر من بقي بصحة وعافية- لا تُستلطف مجالسهم ولا سردهم إلا في هذه الحالات، لغلبة الحدة والشدة، أو البرودة والليونة على أمزجتهم، فلا تعتدل إلا طبائعهم إلا عند الشبع والرضا.


إضافة جيّدة لقائمة القراءات، هل سأجرّب مارك توين في غيرها؟ ربما. هل أنصح بقراءة سيرته؟ إن كنت مهتمًا بالكتابة والكتّاب فنعم، وإن كنت لا تهتم فأنت مخيّر، وبالجملة فالكتاب ليس ضخمًا، 200 صفحة تقريبًا، وصاحب الهمة و(الصملة) قد يختمه في جلسة، والمستمتع -وهو كل من عدا صاحب الهمة والصملة، وهذا وسمه لأني أرجح أنه سيستمتع بقراءتها- قد يزيد عليه بجلستين أو ثلاثة.


ويكفيني في هذا المقال أو المقام أن أقتبس مقدمة الكاتب، التي يقول فيها:

"سأضع في اعتباري في هذه السيرة الذاتية أن أتحدث إليكم من وراء القبر.

، وأني سوف أكون في عداد الأموات حين يصدر هذا الكتاب. لقد بدا لي أنه يمكنني أن أتحدث بمطلق الصراحة والحرية -كما لو كنت أكتب رسالة غرامية- في حال تأكد لي أن ما سأكتبه لن تقع عليه عينٌ إلا بعد وفاتي، وتحرري من قيود هذه الدنيا".


ومن بعده، خارت القوة، وتفسخت الهمة، وانحلت العزيمة، فلم أستطع إكمال الانضباط في البرنامج، وتصارعت حولي مشاريع العمل -والكلام عنه وعن صراعات مشاريعه مقاله أو مقامه ليس هذا- فانقطعت في وسط الرحلة، ولم أكمل طريقي.

لكني وجدت لي رفيقًا يؤنسني في تلك الليالي الموحشة، واللحظات المتعبة، وهو من ألهمني لأبدأ الأيام، لكن الكلام عن رفقته طويل الذيول، وأنا اليوم مشغول، فأرجئ الكلام عنه إلى وقت لاحق، يكون فيه البال أهدأ والمزاج (رايق).


فيصل، يحكي ما قبل الحكاية

1 صفر الأغر 1445هـ

17 أغسطس 2023م

تعليقات

  1. أرى في هذه التدوينة تحديدًا عودة للكتابة بأسلوب فيصل المعتاد، مع الحفاظ على خفة قلمك، ورشاقة نصك. بالمناسبة، مستمتعة جدًا بالسلسلة 🙌🏼 سلمَ قلمُك

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بارق التجليات في ذكر شيء من نوادر المخطوطات

اليوم الأخير

أشتات عن المسلسَلات