الأيام من التاسع والأربعين بعد المائة إلى الخامس والخمسين بعد المائة | عصفوران بحجر
بغيض هذا الإنسان، يعرف ما يريد، ويعرف كيف يصل إليه، ولكن يأبى أن يفعل، ويقضي وقته متسولًا كيفيات أخرى ليحصّل مطلوبه.
ضع أي أمر تشاء تجده خاضع لهذه القاعدة، إلا ما شذ عنها من أفراد الناس الذين يعملون بما يعلمون، ويشتغلون بكيفية الوصول التي يعرفونها، ويصلون لمرادهم.
فجوة زمنية، ابتلعت ما يكفي، وحان وقت ردمها، "انتهت فترة الغداء يا أوغاد".
مقدمة أردت إثباتها هنا، لا علاقة لها بما سأكتبه بعد.
أينما تنظر لا ترى إلا الماء، بحر شاسع، الزرقة طاغية على المشهد، خيط رقيق لا تميزه يفصل الماء عن السماء، ووسط هذا القاموس بقعة -إن تشاءمت- تشوه المنظر، جزيرة كبيرة، غطاء نباتي سميك، سفوح جبلية مطلة على البحر، سهول ساحلية خضراء، ورمال ناعمة.
استيقظ أول إنسان في حكايتنا -وهو ذكر بالمناسبة- ذات صباح، ووجد في رأسه صوتًا أكثر تعقيدًا وتفلسفا من صوته بالأمس، يدعوه للتأمل في أعضائه وأطرافه وما حوله؛ نهض من مكانه منطلقًا مطلقًا الأسماء على الأشياء، هذه أرض، هذه سماء، هذا ماء، هذه شجرة، هذه الشمس، ذاك الحيوان المفترس أسد، وتلك أنثاه لبوة، ذاتي أنا، العضو المخصوص الذي يحصل به القبض والبسط يد، الساق ما وصل بين القدم والركبة... إلخ من الأشياء التي حوله، ولم ينته مما انشغل به حتى نهاية اليوم، فنام كالميت.
استيقظ على حركة وصوت إلى جواره، نظر فوجد ثاني إنسان في قصتنا، وكانت أنثى لم ير مثلها أبدًا، وهذه حقيقة لا مجاز، فتحرك منه ما سكن، وانبعث ما كمن، وحصل ما حصل مما يحصل بين ذكر يرى أنثى لأول مرة في حياته.
تكاثرا، وامتلأ عليهما البيت صبيانًا وبناتًا، وتوارثوا عنهما اللغة التي تكلما بها، مر جيل أو اثنان، نكاحًا على طريقة الفراعنة.
انفصلت مجموعة فرعية عن المجموعة الأصلية لسبب ما، غادرت المكان الذي عاشوا فيه عمرهم، انتقلوا للطرف الآخر من الجزيرة وياللعجب وجدوا قومًا مثلهم، لكنهم يرطنون في كلامهم، وبعد اللتيا والتي، فهم كل منهم عن الآخر، وتداخل اللسانان، فالقادمون الجدد كانوا سحرة بلا سحر.
ولأن المجموعة الفرعية مستمسكة بأصلها، محافظة على موروثه، كانت ترسل أبناءها في صباهم إلى ديارهم القديمة، ليتعلموا لسان أجدادهم وعاداتهم، ثم يعودون إلى الطرف الآخر ليكملوا حياتهم مع أهليهم في المجتمع الجديد، وجرت عادتهم بهذا زمنًا طويلًا، حتى رمى البحر عليهم في ليلة غاضبة عاصفة قاربًا عليه عائلة صغيرة، فأضافوهم وأكرموا مثواهم، وانضم لسان جديد للمنطقة.
أجيال جديدة، العادة مستمرة، لكن المجموعة الفرعية لها بعد نظر، فهم يرون الاختلاط الحاصل -على محاسنه- يؤثر سلبًا على حفاظ أبنائهم على اللغة، ودخول رطانات جيرانهم على كلماتهم؛ ومن خاف سلم كما قال المثل السائر، وحتى لا يضيع إرثهم الشفهي جمعوه كله، ونظروا فيه، فاستخرجوا من مجموعه أصولًا وضوابط رأوها مضطردة في كلامهم، فقعّدوا القواعد، واستشهدوا بالشواهد، وحفظوا لمن بعدهم ممن لم يدرك اللسان قبل اختلاطه طرقه الأصيلة وأساليبه الموروثة.
وبس والله.
فيصل، أجوبته حكايا
22 ذو القعدة 1444هـ
11 يونيو 2023م
أعجبتني التدوينة، فيها عبر وحكم. سلمَ قلمك فيصل
ردحذف