اليومان الثامن والعشرون والتاسع والعشرون بعد المائة | في ضوء ذكريات من منزل الأموات

ليس لدي الكثير من الوقت الآن لأكتب، فأنا أكتب على عجل لأني نسيتُ أمرًا ما، وآن أوان عقوبة النسيان، والعجلة بالضرورة مورثة للتشتت والبعثرة -والطمع أحيانًا- حسًا ومعنىً إن لم يكن المرء حاكمًا على نفسه، ماسكًا لجامها، قادرًا على كفها عن غيها؛ لكني وأنا أكتب الآن -بعد أربعةٍ وعشرين ساعة من كتابتي للسطور الأولى- لست متعجلًا، فسأوقف الكلام عن العجلة.

إلى عهد قريب كنت متى قلبت نظرك في الأمم والأقوام، وجدت -على الأقل- طائفة من كل أمة لها عرف يخضع له الجميع، وأخلاقيات يلتزمها الجميع بلا استثناء، عقوبات تقع على كل من عصى كذلك بلا استثناء، واجبات وحقوق، مأمور به ومنهي عنه؛ وإن تأملت في هذا الخضوع والالتزام والاحترام، غالبًا ما ستجد أصله وبذرته اعتناق أو احترام مسبق لديانة ما.

حتى أحقر المجتمعات وأحطها، طول عامهم يرتعون في الفسق والرذيلة والخطيئة والإجرام والفساد، متى صادفوا زمنًا محترمًا أو عيد فرح أو ذكرى حزن، كفوا عما هم فيه، وصبروا حتى تنقضي ليعودوا إلى ما هم فيه.
تمضي الليالي ولا يدرون عدتها        ما لم تكن من ليالي الأشهر الحرمِ
 وخاصة في الأعياد تجد بعض المجتمعات -على انحطاطها ودناءتها- يبادرون إلى الخير ويحضون عليهء، ينشرون البهجة، يجودون بكل موجود، ويجبرون أولئك الكبئيبين على الابتسام والابتهاج لأن الزمان زمان فرح وسرور، وحرام أن نكون عابسين فيه.

شيئًا فشيئًا كما يضمر ويذبل ويتآكل ويتهدم وينتهي ويموت كل شيء، دار القضاء على هذه المجتمعات، وأجلب عليهم بخيله ورجله، بالمصائب وبالحروب وبالفتن وبالانحلال وبالسيولة وبالهوان وبالانهزام وبالتراجع وبالاستسلام، كل طائفة بواحدة  من هذه الدواهي أو أكثر، وما زال في الغيب كثير.

فيصل، يحترم من يحترم العرف
26 شوال 1444هـ
16 مايو 2023م

تعليقات

  1. إن كانت الكتابة على عجل تنتج هذا الجمال
    فاكتب كل يومٍ على عجالة

    ✨" يحترم من يحترم العرف " ✨ عجبتني

    ردحذف
  2. سلمت أناملكم

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بارق التجليات في ذكر شيء من نوادر المخطوطات

اليوم الأخير

أشتات عن المسلسَلات