بين اللزوجة والصفراوية أعيش | كتابات الصباح

 لم أكتب منذ مدة طويلة، لا، الحقيقة أني كتبت كثيرًا الفترة الماضية، لكني لم أكتب بذاتي التي أعرفها وستعرفونها من خلال هذه الكتابات، فيصل الكاتب، الذي يعبر عما يجول في خاطره، ويتقيأ هنا وهناك المعاني التي جاشت في صدره.

لكني كتبت بذاتي المستعبدة بعبودية القرن العشرين، فيصل الموظف، الذي يقتات بالكذب، وصنعته بيع الكلام؛ أذكر أول يوم لي في هذه الوظيفة، وأذكر أن مدير قطاعنا في اجتماعنا الترحيبي الأول قال لي: مبارك! بتوقيعك العقد معنا حجزت مقعدك في جهنم. قالها وهو يبتسم بلزوجة وخبث لم أر مثلهما في حياتي قط، لتمضي الأيام وأرى هذه الابتسامة على وجوه كثيرين ممن خاض في أوحال هذه الصناعة، ومن تلطخ بها ولم يغرق كانت ابتسامته تزداد اصفرارًا بقدر تلطخه.

حقًا إنها صناعة عجيبة، يتفق فيها الكل على الكذب، صاحب المنتج، وصانع الإعلان، ومتلقي الدعاية، كأنها مسرحية الكل يعرف فيها أنه يمثل، لكن لا يقول ولا يخبر بشيء عن تمثيله، ويمضي حياته كلها ممثلًا على أخشاب مسارح المنصات الكثيرة.

لم أتخيل نفسي قط أن يكون مصدر دخلي هو ما أجدته -ولو بنحو ما في فترة ما في حياتي- ألا وهو بيع الكلام واختلاق الأوهام.

فيصل، باع المعنى بعرض من الدنيا قليل.

٤ محرم المعظّم ١٤٤٤هـ

٢ آب اللهّاب ٢٠٢٢م

تعليقات

  1. نص جميل وأفكار جريئة يعطيك ألف عافية

    ردحذف
  2. احجز لي مقعدًا بجانبك أيهّا الجار!

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بارق التجليات في ذكر شيء من نوادر المخطوطات

اليوم الأخير

أشتات عن المسلسَلات