المشاركات

عرض المشاركات من أغسطس, 2022

نكد | كتابات الصباح

 "أشعر بالقرف هذا الصباح، قرف غير معتاد، فهو ليس من الناس أو ممن حولي، بل هو مني، كلما نظرت إلى المرآة شعرت بانقباضات معدتي وتقلصاتها، ويبدأ فمي بزيادة فرز اللعاب، وحلقي يتهيأ للتقيؤ، ولكن لا قيء يخرج أو يوجد هناك أصلًا. على رغم مزاجي الحسن، ومشاعري الرائقة والهادئة، إلا أنني غارق في هذا القرف. أحيانًا لا أدري ما خطبي وما الذي دهاني، وأحيانًا أخرى تنكشف لي كل الأمور على ما هي عليه وأعرف العلة ودواءها، لكن تكون يداي مكبلتين مثقلتين مسمرتين مشدودتين إلى عنقي، ورأسي منكس يشده حبل قصير مبربوط برجلي إلى أسفل مع كل خطوة، أما عيناي فتكونان مغطاةً بغشاوة يعرفها بعض الناس، وكل ما أعرفه يكون بقلبي لا بحواسي. فيصل، يشعر بالقرف ٢٨ يونيو ٢٠٢٢م" وما زلتُ، فالقرف صار رفيقًا لصيقًا لا يتركني أبدًا، كما ازدادت دائرته لتعم أشياء وأشخاصًا كثر، بعدما كان مقصورًا عليَّ، فجأة صار كريمًا لينفق على دائرة أوسع. أهو الكرم حقًا؟ لا أدري، ولا أرغب بالمعرفة، يكفيني ما أعرفه، فلم أجنِ من المعرفة كثير، بل كان يتوجب عليَّ أن أجهل كثيرًا مما أعرفه الآن، ولكن لا طريق للعودة بعد المعرفة، فزجاجتها إن تصدّعت لا ...

كسرًا لحاجز الصمت | عن الكتابة وتولستوي | كتابات الصباح

"أبدأ هذه الكتابة اليوم ولا أعرف لم، فلم أتعرض بالأمس لمحفزات كتابية، وكذلك صباح اليوم، بالمناسبة الساعة الآن الثانية عشرة ظهرًا، وحرارة الصيف كعادتها في جدة تسبق دخوله. الناس تغلي، وأدمغتهم، ودماؤهم، وحتى أفكارهم ومشاعرهم. معتوه من يحب صيف هذه البلاد، وأعته منه الذي يمارس أنشطة البلاد معتدلة الصيف في هذه البقعة من العالم. حتى الوزغ الذي يفترض أنه لا يظهر إلا صيفًا لحبه للحرارة رأيت عددًا منه قبل أيام ينازع من شدة الحر. أفكر أني بدأت هذه الكتابات تأثرًا بما أقرأ من يوميات معجزة روسيا ليڤ/ليو تولستوي، التي ابتدأها في أواخر عقده الثاني، وأبدى فيها من النبوغ ما أراه مستحيلًا خارقًا للعادة لمن هو في مثل سنه، وأظن أن هذه الاستحالة نابعة من مقارنتي لمن هو في سنه في عصرنا به، ولعلي أكون ظالمًا بهذه المقارنة؛ فأبناء العقد الثاني من معاصرينا اهتماماتهم فارغة سطحية، ولا علم لهم أو اهتمام بالشأن العام والقضايا الكبرى والمسائل الشائكة؛ أما تولستوي فاستهل يومياته بتحليل ونقد لبيان الإمبراطورة كاترين الثانية للشؤون القانونية والعدلية، وأظهر ملكات لا تجدها عند معاصرينا من "المفكرين" فض...

بين اللزوجة والصفراوية أعيش | كتابات الصباح

 لم أكتب منذ مدة طويلة، لا، الحقيقة أني كتبت كثيرًا الفترة الماضية، لكني لم أكتب بذاتي التي أعرفها وستعرفونها من خلال هذه الكتابات، فيصل الكاتب، الذي يعبر عما يجول في خاطره، ويتقيأ هنا وهناك المعاني التي جاشت في صدره. لكني كتبت بذاتي المستعبدة بعبودية القرن العشرين، فيصل الموظف، الذي يقتات بالكذب، وصنعته بيع الكلام؛ أذكر أول يوم لي في هذه الوظيفة، وأذكر أن مدير قطاعنا في اجتماعنا الترحيبي الأول قال لي: مبارك! بتوقيعك العقد معنا حجزت مقعدك في جهنم. قالها وهو يبتسم بلزوجة وخبث لم أر مثلهما في حياتي قط، لتمضي الأيام وأرى هذه الابتسامة على وجوه كثيرين ممن خاض في أوحال هذه الصناعة، ومن تلطخ بها ولم يغرق كانت ابتسامته تزداد اصفرارًا بقدر تلطخه. حقًا إنها صناعة عجيبة، يتفق فيها الكل على الكذب، صاحب المنتج، وصانع الإعلان، ومتلقي الدعاية، كأنها مسرحية الكل يعرف فيها أنه يمثل، لكن لا يقول ولا يخبر بشيء عن تمثيله، ويمضي حياته كلها ممثلًا على أخشاب مسارح المنصات الكثيرة. لم أتخيل نفسي قط أن يكون مصدر دخلي هو ما أجدته -ولو بنحو ما في فترة ما في حياتي- ألا وهو بيع الكلام واختلاق الأوهام. فيصل، ب...