جنة بباطن كف | آثار ضربة الشمس | اعتبرها قصة قصيرة
بالأمس وعلى أحد الطرق السريعة التي تربط بين المدن، وبينما أقود سيارتي في عجلة للعودة إلى مسقط رأسي، انفجرت إحدى عجلات السيارة، توقفت على جانب الطريق، وخرجت من السيارة لأنظر في العجلة متأملا فيما يمكن أن أفعله!
ظهر فجأة من جهة الصحراء رجل طويل القامة، يجر لحيته خلفه، أبيض منوَّر البشرة، تكاد تخطئ العين بينه وبين الشمس، شعره مسدول على كتفيه، ويتوكأ على عصا خشبية هشة، أسمع صوت انحنائها مع كل خطوة يخطوها نحوي، مد يده ليصافحني، ويده يالضخامتها! لا يملؤها شيء، بحجم ثلاث أياد لرجال بالغين، جفلت من مظهره، وتراجعت إلى الخلف بضع خطوات، أنفاسي في تسارع، والعرق يتصبب مني، وقلبي لا يكاد يثبت في مكانه، تقدم إلي، وقال: مالك يا حبيبي؟ هل أُصبت بمكروه؟ أأنت بخير؟
لم أستطع أن أبلع ريقي لجفاف حلقي، فالخوف جفف الدم في عروقي، بعد برهة، استجمعت شجاعتي، ونظرت إليه بعين مرتابة، ولما تجرأت على الكلام، وهممت بفتح فمي، قاطعني قائلا: لا تخف، لست هنا لإيذائك، فلله عباد خلقهم لخدمة البشر، وأنا هنا لمساعدتك، اتبعني.
مشى قليلا، ثم اختفى عن ناظري بين الضباب، هرعت خلفه، واصطدمت بمؤخرته لطوله، التفت إلي ضاحكًا وقال: على رسلك يا بني، لن أتركك وحدك أبدا.
وأمسك بيدي التي ضاعت في كفه، ومشيت معه، انقشع الضباب فجأة، فوجدتنا في حديقة غناء، أصوات العصافير تملأ الفضاء، ورائحة الأزهار تنتشر في الجو، وخرير المياه يغسل الروح. سرنا نحو بحيرة كانت في منتصف الحديقة، يصب فيها شلال صغير، جلسنا في مكان معد مسبقا، تفوح من وسائده وفرشه رائحة المسك والعنبر، وفي منتصفه استقرت مائدة فيها مالذ وطاب مما تشتهي الأنفس، جلسنا، وما إن مددت يدي لأتناول بعض الطعام حتى أظلمت الدنيا فجأةً، وشعرت بألم رهيب في آخر رأسي، لا أستطع أن أرى شيئا، وحرارة الجو في ازدياد مرعب، حاولت جاهدًا أن أفتح عيني، بعد جهد جهيد، فتحتها ورأيت عجلة سيارتي، ورائحة المطاط المحروق تملأ أنفي، وحرارة الشمس والإسفلت بدأت في أكل وجنتي، قمت ونفضت عني التراب، غيرت عجلتي، وسرت في طريقي وأنا أتساءل: هل ما رأيته حقيقة أم حلم؟.
فيصل وسارة، يهذيان بسبب الحرارة
٢٦ ذو الحجة ١٤٤٣هـ
٢٥ يوليو ٢٠٢٢م
تعليقات
إرسال تعليق